news-details
مقالات

قيدوا العلم بالكتابة

قيدوا العلم بالكتابة

 
بقلم / محمـــد الدكـــروري

الحمد لله العلي الأعلى، خلق فسوّى، وقدّر فهدى، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات العُلا، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله نبي الرحمة والهُدى، اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه الأئمة الأبرار النجباء، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم البعث والنشور والجزاء أما بعد فاتقوا الله عباد الله، حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ثم أما بعد لقد خلق الله سبحانه وتعالي الإنسان ومنحه النعم الكثيرة والكثيرة التي لا تعد  ولاتحصي، ومن تلك النعم، هي نعمه عظيمة، ألا وهي العقل، حتي يدرك الإنسان الأشياء من حوله، فتولد الأفكار في لحظات خاطفة وقد تتلاشى من مخيلتك إلى الأبد ما لم  تسارع بتدوينها، وقد تظهر الأفكار المثمرة في أغرب الأوقات ولن تبزغ هذه الأفكار دائما. 






وأنت تعالج المشكلة المتعلقة بها، ولكن قد تواتيك ومضة من الإستبصار في الوقت الذي تكون فيه مشغولا بأعمال أخرى أو مشتركا في محادثة أو منصتا إلى محاضرة آو قائما بالتدريس أو عاكفا على قراءة كتاب أو مسترخيا بالمنزل، وحتى لو بدت هذه الفكرة لحظة ورودها واضحة تماما أو مهمة للغاية بحيث يستحيل نسيانها فهناك دائما احتمال أن تضيع منك فيما بعد، لذلك حينما تنبن في عقلك نواة لفكرة احفظها مباشرة كتابة للإستفادة منها في المستقبل، فالإحتفاظ بمذكراتك منظمة أبان البحث يستثير التفكير الناقد ويؤدي إلى إكتشاف أفكار جديدة، واعلموا أن الإدارة بالأفكار هو أسلوب إداري جديد لإنجاز الأعمال المطلوبة في المؤسسات الخاصة والعامة، وفي الواقع أن تجربة الإدارة بالأفكار يمكنك من خلالها تحقيق عدة فوائد منها أن تكون نسبة إنجاز للأعمال كبيرة جدا. 





مقارنة بالإسلوب القديم، وأيضا تفاعل جيد مع من تتعامل معهم في عملك اليومي، وأيضا إكتشاف طرق جديدة في تبسيط الأعمال الإدارية اليومية مما يحقق السرعة في الإنجاز، وكذلك إستغلال الوقت بما هو نافع ومفيد للمؤسسة التي تعمل بها، والإستمتاع بالعمل الإداري اليومي من كثرة ملاحقة الأعمال المراد إنجازها، واعلموا أن الأفكار أو الخواطر كما جاءت في بعض المراجع كان لها الإهتمام الكبير من قبل المفكرين والمبدعين الإسلاميين في العصور السابقة، ولقد كان سلفنا الصالح حريص أشد الحرص على إستثمار كل لحظة من لحظات عمره بما في ذلك إستثمار ما ينتجه العقل البشري من أفكار جديدة، ففي المعجم الوسيط الخاطرة هي ما يخطر بالقلب من أمر أو رأي أو معنى، أما الفكرة، فهي إعمال العقل في العلوم للوصول إلي المجهول. 





وجاء في سيرة الإمام الشيخ أبى الوفاء ابن عقيل الحنبلي، وهو أحد الأعلام في الإسلام أنه كان يقول إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن تطلعاته، أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وأني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عمر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة، وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي، حتى أختار سف الكعك وتحسيه بالماء على الخبز، لأجل ما بينها من تفاوت المضغ، توفرا على المطالعة، أو تسطير فائدة لم أدركها فيه، وإن اجل تحصيل عند العقلاء هو الوقت فهو غنيمة تنتهز فيها الفرص، فالتكاليف كثيرة، وقد قال تلميذه ابن الجوزي، كان الإمام ابن عقيل دائم الإشتغال بالعلم، وكان له الخاطر العاطر.







والبحث عن الغوامض والدقائق، وجعل كتابه المسمى بالفنون مناطا لخواطره وواقعاته، وقد ضرب الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله مثلا ظريفا للخواطر والأفكار التي تخطر في ذهن الإنسان فقال " وقد خلق الله سبحانه النفس شبيهة بالرحى، ولاتبقى تلك الرحى معطلة قط، بل لابد لها من شيء يوضع فيها، فمن الناس من تطحن رحاه حبا يخرج دقيقا ينفع به نفسه وغيره وأكثرهم يطحن رملا وحصى وتبنا ونحو ذلك، فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحينه، ومن الذين طحنت رحاه حبا نفع به نفسه وغيره الإمام ابن الجوزي صاحب الكتاب المشهور صيد الخاطر وهو كتاب ألفه من هذه الأفكار والخواطر التي ترد إلى ذهنه في يومه وليلته قال في مقدمة هذا الكتاب النافع هو قوله. 





" لما كانت الخواطر تجول في تصفح أشياء تعرض لها، ثم تعرض عنها فتذهب، كان من أولى الأمور حفظ ما يخطر لكيلا ينسى، وقد قال رسول الله عليه الصلاة والسلام " قيدوا العلم بالكتابة" وكم قد خطر لي شيء فأتشاغل عن إثباته فيذهب فأتأسف عليه ورأيت من نفسي إنني كلما فتحت بصر التفكر فتح له من عجائب الغيب مالم يكن في حساب، فأنثال عليه من كثيب التفهيم مالا يجوز فيه التفريط فيه، فجعلت هذا الكتاب قيدا لصيد الخاطر".

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا