دقة بدقة ولو زدت لزاد السقا
دقة بدقة ولو زدت لزاد السقا
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله الذي نوّر بالقرآن القلوب، وأنزله في أوجز لفظ وأعجز أسلوب، فأعيت بلاغته البلغاء، وأعجزت حكمته الحكماء، أحمده سبحانه وتعالي وهو أهل الحمد والثناء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله المصطفى، ونبيه المرتضى، معلم الحكمة، وهادي الأمة، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار، وصحبه الأخيار، ما تعاقب الليل والنهار، وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد قيل أنه كان هناك تاجر من العراق صاحب خلق ودين وإستقامة وكثير الإنفاق على أبواب الخير من الفقراء والمعوزين وباني المساجد ومشاريع الخير، فلما كبرت به السن وكان له ولد وبنت، وكان كثير المال ذائع الصيت، فأراد أن يسلم تجارته لإبنه، حيث كان التاجر يشتري من شمال العراق الحبوب والأقمشة وغيرها ويبيعها في الشام ويشتري من الشام الزيوت والصابون.
وغير ذلك ليبيعه في العراق، فبعد أن جلس مع إبنه وأوصاه وعرّفه بأسماء تجار دمشق الصادقين، ثم أوصاه بتقوى الله تعالي إذا خرج للسفر وقال "يا بني، والله إني ما كشفت ذيلي في حرام، وما رأى أحد لحمي غير أمك، يا بني حافظ على عرض أختك بأن تحافظ على أعراض الناس " وخرج الشاب في سفره وتجارته، وباع في دمشق واشترى وربح المال الكثير، وحمّله تجّار دمشق السلام الحار لأبيه التاجر التقي الصالح، وخلال طريق العودة وقبيل غروب شمس يوم وقد حطت القافلة رحالها للراحة، أما الشاب فراح يحرس تجارته ويرقب الغادي والرائح، وإذا بفتاة تمر من المكان، فراح ينظر إليها، فزيّن له الشيطان فعل السوء، وهاجت نفسه الأمارة بالسوء، فاقترب من الفتاة وقبّلها بغير إرادتها قبلة، ثم سرعان ما إنتبه إلى فعلته وتيقظ ضميره، وتذكر نظر الله إليه.
ثم تذكر وصية أبيه، فاستغفر ورجع إلى قافلته نادما مستغفرا، فينتقل المشهد إلى الموصل وحيث الإبن ما زال في سفره الذي وقع فيه ما وقع، حيث الوالد في بيته يجلس في علّيته وفي زاوية من زواياها، وإذا بساقي الماء الذي كان ينقل إليهم الماء على دابته يطرق الباب الخارجي لفناء البيت، وكان السّقا رجلا صالحا وكبير السن، إعتاد لسنوات طويلة أن يدخل البيت، فلم يُري منه إلا كل خير، فخرجت الفتاة أخت الشاب لتفتح الباب، ودخل السقا وصبّ الماء في جرار البيت بينما الفتاة عند الباب تنتظر خروجه لتغلق الباب، وما أن وصل السقا عند الباب وفي لحظة خاطفة زيّن له الشيطان فعل السوء، وهاجت نفسه الأمّارة بالسوء فالتفت يمينا وشمالا، ثم مال إلى الفتاة، فقبّلها بغير إرادتها قبلة، ثم مضى، كل هذا والوالد يجلس في زاوية من زوايا البيت الواسع يرى ما يجري.
دون أن يراه السّقا، وكانت ساعة الصمت الرهيب من الأب، ثم الإسترجاع أن يقول "إنّا لله وإنّا إليه راجعون" ثم الحوقلة أن يقول " لا حول ولا قوّة إلا بالله " وأدرك أن هذا السّقا الذي ما فعل هذا في شبابه فكيف يفعلها اليوم، وأدرك أنما هو دين على أهل البيت، وأدرك أن ابنه قد فعل في سفره فعلة إستوجبت من أخته السداد، ولمّا وصل الشاب وسلّم على أبيه وأبلغه سلام تجّار دمشق، ثم وضع بين يديه أموالا كثيرة ربحها، إلا أن الصمت كان سيد الموقف، وإن البسمة لم تجد لها سبيلا الى شفتيه سوى أنه قال لإبنه هل حصل معك في سفرك شيء، فنفى الابن وكررها الأب، ثم نفى الابن، إلى أن قال الأب "يا بني، هل اعتديت على عرض أحد ؟" فأدرك الابن أن حاصلا قد حصل في البيت، فما كان منه إلا أن إعترف لأبيه، ثم كان منه البكاء والإستغفار والندم.
عندها حدّثه الأب ما حصل مع أخته، وكيف أنه هو قبّل تلك الفتاة بالشام قبلة، فعاقبه الله بأن بعث السقا فقبّل أخته قبلة كانت هي دين عليه، وقال له جملته المشهورة " يا بنيّ دقة بدقة، ولو زدت لزاد السقا" أي أنك قبّلت تلك الفتاة مرة فقبّل السقا أختك مرة، ولو زدت لزاد، ولو فعلت أكثر من ذلك لفعل، فإن من تبعات الزنا أنه دين أيها الناس، فاتقوا الله في أعراضكم، في زوجاتكم وبناتكم وأخواتكم، وكما أن مضمون هذا الكلام غير صحيح باللازم، فأهل الزاني قد يكونون من أهل الخير والصلاح، فكيف يؤاخذهم الله بجريرة غيرهم، وهو سبحانه وتعالي يقول " ولا تزر وازرة وزر أخري " وقد يقبل مثل هذا الكلام في حالة أن يكون الزاني وأهله من أهل الشر والفسق والفساد، فيعاقب الله الزاني بزوجته العاصية، فيصيبه في عرضه كما أصاب الناس في أعراضهم، وكما تدين تدان، وقد وجد الناس هذا الأمر في أحوال الزناة كثيرا.
التعليقات الأخيرة