إيران، هي الأخرى، كان لها هيمنة وتأييد شعبيان في المنطقة، متحدية محاولات منع أفكارها وتقييد نشاطاتها. واستطاعت أن تربي أجيالاً من العرب على أفكارها. فتحت طهران أبوابها وذراعيها للسنّة المتطرفين، بمن فيهم قادة «القاعدة»، متجاوزين فكرهم المعادي للشيعة، ودعمت معظم المعارضين والحركات السنية ضد أنظمتهم. وبنت علاقة عضوية وعميقة التنسيق مع جماعات «الإخوان المسلمين». وأقامت مؤتمرات وندوات شبه سنويّة للقوميين والشيوعيين العرب. وأنفقت الكثير لاستمالة سياسيين ومبدعين عرب؛ فطبعوا الكتب ودبجوا قصائد المديح داعين لنظام الإمام ومدافعين عنه. طهران جمعت الشيعة والسنّة والمسيحيين العرب، مفكرين خليجيين ومصريين وشوام ومغاربيين وسودانيين ويمنيين وعرب الغرب. تسلقت على الكثير من وسائل الإعلام العربية للدعاية الخامنئية. حتى إننا أحياناً نعجز عن فهم كيف كانت توفق بين كل هؤلاء المتناقضين! ففي طرابلس لبنان، التي لها تجاذبات مع شيعة بيروت، فيها جماعات سنية منذ الثمانينات استمرّت تدين بالولاء لطهران. وفي الأردن بين «الإخوان» من يعلن حبه للسادة في طهران. وفي سبيل الدفاع عنها صدرت أعمال عديدة؛ في مصر مثلاً «إيران والإسلام السياسي»، وفي الكويت «إيران والغرب: صراع المصالح»، وفي الخليج عُقدت مؤتمرات تحت عنوان «التقريب» بين المذاهب، واحتفت بتاريخ الناصر لدين الله العباسي.
وكل هذه النشاطات كان لها أن تكون جليلة لولا أن النيّات خلفها لم تكن خالصةً لوجه الله تعالى، ولا حباً في إنهاء التنازع الطائفي أو التخفيف منه، بل ضمن مشروع سياسي للهيمنة.
كانت طهران تدير الحراك النخبوي والشعبي في عشرات المدن العربية؛ احتجاجاتها ضد روايات وأفلام ومفاوضات وأنظمة.
إنما في الحروب الأخيرة على أثر هجمات أكتوبر 2023، خبا الحراك الذي اعتدنا عليه في كل مواجهة. السبب الأول، أن الشعوب لا تحب المهزومين. والثاني، أن الأجهزة المحركة لهذه التجمعات انقطعت اتصالاتها وجفّت مواردها. الشارع العربي يبجّل البطل المنتصر حتى يسقط؛ فيستبدل به بطلاً آخر.
المؤمنون بها صدمتهم الهزائم المتلاحقة مثلما صُدم الناصريون بنكسة الستينات. التحدي المتبقي هو المحافظة على مؤيديها في حاضنتها الشعبية الشيعية؛ فهم أكبر المتضررين، ولا يزالون يعيشون هول الصدمة. مع مرور الوقت ستتبين لشيعة لبنان الحقيقة؛ أنهم ضحية «حزب الله» وإيران، وهي عبء عليهم وليست سنداً لهم. على مدى أربعة عقود كانوا في مواجهة إسرائيل، ويتحملون وزر العلاقة مع إيران؛ من العقوبات الاقتصادية والشخصية، واستهداف المناطق والأحياء بالتدمير، وملاحقة تحويلاتهم من أفريقيا وأميركا اللاتينية والشمالية، وغيرها
التعليقات الأخيرة