يتضاءل أمامه كل نعيم في الدنيا
يتضاءل أمامه كل نعيم في الدنيا
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله مصرّف الأوقات وميسر الأقوات فاطر الأرض والسماوات أهل الفضل والمكرمات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلقنا لعبادته ويسر لنا سبل الطاعات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، جاء بالحنيفية السمحة ويسير التشريعات، اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد أفضل المخلوقات وأكرم البريات وعلى آله السادات وأصحابه ذوي المقامات والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم العرصات أما بعد فاتقوا الله عباد الله وكلوا من الطيبات واعلموا الصالحات فاليوم حياة وغدا ممات، ثم أما بعد ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن الجنة ونعيمها، ونعيم الجنة صنعه الله تعالى بيده، ففي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، والذي يحيا بوجدانه وفكره وقلبه مع نعيم الجنة يتضاءل كل نعيم في الدنيا.
ويهون أمام ناظريه، فمن نعيم الجنة الذي يجعلنا نشتاق إليها، هو بيوت الجنة وقصورها، حيث أن أهل الدنيا يبنون ويشيدون الدور والقصور ويضعون فيها كل ما يملكون من كماليات ووسائل الراحة والرفاهية ويناسون أن كل ذلك إلى زوال وأنه عما قليل سيترك، وأن هناك دورا وبيوتا وقصورا أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين الصالحين، وأن هذه البيوت وتلك القصور لا تشبه بيوت الدنيا وقصورها في شيء، وهذه القصور لا تكون إلا لمن قدم لها الثمن، ومن ثمنها طيب الكلام وإطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام، ومن ثمنها الصبر والرضا بالقضاء والقدر، ومن ثمنها قراءة القرآن الكريم، ومن ثمنها ترك المراء والجدال، وكما أن من نعيم الجنة الذي يجعلنا نشتاق إليها هو طعام الجنة وشرابها، ففي الدنيا يحرص المرء على تناول أشهى الأطعمة.
وأشهاها وألذها ولكنه ينسي أن ذلك الطعام مصيره بعد لحظات إلى الغائط، وأن الطعام ذاته فيه ما يشتهى وفيه ما لا يشتهى، كما أن فيه الضار وفيه النافع وكذلك الشراب، فقيل أنه مر بعض أولاد المهلب بمالك بن دينار وهو يتبختر في مشيته، فقال له مالك يا بني لو تركت هذا الخيلاء لكان أجمل، فقال أوما تعرفني ؟ قال أعرفك معرفة جيدة، أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك تحمل العذرة، فأرخى الفتى رأسه وكف عما كان عليه، وقال الأحنف عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر، وروى أن ابن السماك دخل على الخليفة العباسي هارون الرشيد يوما فإستسقى فأتى بكوز فلما أخذه قال على رسلك يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها؟ قال بنصف ملكي، قال اشرب هنأك الله تعالى.
فلما شربها قال أسألك لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشترى خروجها ؟ قال بجميع ملكي قال إن ملكا قيمته شربة ماء وبوله لجدير أن لا ينافس فيه فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا، أما طعام أهل الجنة وشرابهم والآنية التي يشربون فيها فشيء آخر، فيقول تعالي " أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون " وقال ابن كثير في تفسيره، لا تصدع رؤوسهم ولا تنزف عقولهم، بل هي ثابتة مع الشدة المطربة واللذة الحاصلة، وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال في الخمر أربع خصال، السكر والصداع والقيء والبول، فذكر الله خمر الجنة، ونزهها عن هذه الخصال، وأول طعام أهل الجنة زيادة كبد الحوت، ولطعام أهل الجنة ولشرابهم خصوصية، وكما أن من نعيم الجنة الذي يجعلنا نشتاق إليها هو لباس الجنة وزينتها.
فالإنسان في هذه الدنيا يحرص على أن يكون لباسه طيبا وجميلا ويدل على شخصيته ومكانته بل ويتباهى الناس ويتفاخرون في ذلك وينسون أن تلك الثياب التي يتعالى بعضهم على الناس بها سوف تبلى عن قريب، أما أهل الجنة فإنهم يلبسون فيها الفاخر من اللباس، ويتزينون فيها بأنواع الحلي من الذهب والفضة واللؤلؤ، ولكنها ثياب لا تبلى أبدا.
التعليقات الأخيرة