بقلم نشوة أبوالوفا "قدري"الفصل الأول
بقلم نشوة أبوالوفا "قدري"الفصل الأول
قدر كُتب علينا
يوم أن وُلدنا
ندور وندور في الدنيا
نخرج من محنه لنرفل في نعيم أو العكس
لكنه قدر لا مهرب منه
كانت هذه هي أول سطور من مذكرات حبيبتي...
يجري القطار قاطعًا الدروب، مسرعًا حتى أني لا أكاد ألمح معالم الطريق، كل ما يهمني الآن هو الهرب بدون أن يتعرف عليّ أحد، لهذا ارتديت النقاب،
تذكرت سناء صديقتي وهي تعطيه لي قائلة: اختفي لا تدعي أحدًا يراكِ لو أمسكوا بك لقتلوكِ.
سألتُها: من أين أحضرتِ هذا النقاب والعباءة؟
ضحكت سناء رغم الموقف المتوتر الذي كنا فيه: سرقتهما بالطبع، كنت أخطط لنهرب سويًا، لكن لم أسرق إلا واحدًا للآن، كنت أخطط لسرقة الآخر قريبًا، لكن أنتِ الآن أولى، لو كان لديّ نقاب آخر كنت هربت معك، أسرعي الآن، هذه نقودك كل ما كنتِ تدخرين من وراءهم وتخفينه عنهم وكذلك نقودي أنا أيضًا.
اعترضت: لن آخذ نقودك.
أجابتني بحزم: لا ستأخذينها، النقود سندك لتستطيعي النجاة منهم، هيا أسرعي سيري في هذا المبني المهجور، تجدين في نهاية الممر طاولة مقلوبة أبعديها، تجدين بابًا سريًا سيقودك لنفق صغير ومنه للشارع بجوار محطة القطار.
واحتضنتني مودعة: احترسي ولا تأمني لأحد.
تذكرت رعبي وأنا أجري منهم ودخولي النفق وانقطاع أنفاسي حتى خروجي للشارع ووقوفي في ممر جانبي وارتدائي للعباءة والنقاب وقطعي لتذكرة القطار إلى سوهاج لا أدري ماذا كان يدور في رأسي، أيعقل أني سأجد هناك أهلي، يبدو أن صدمة ما فعلت أثرت عليّ، يا ويلي وماذا أفعل في سوهاج؟
ضحكت وماذا كنت أفعل في القاهرة؟ كلها مدن لا أنتمي إليها ولم أكن أعرف من أين جئت بالأساس؟
تذكرت ما مضي من حياتي وأنا متجهة للآتي
- أنا الآن اسمي وردة، وبالطبع ليس هذا اسمي الحقيقي، أما اسمي الحقيقي فبالطبع لا أعلمه، أنا طويلة القامة رشيقة القد كالممثلات، ذات شعر أسود غجري مموج يصل لبعد منتصف ظهري بقليل، سوداء العينين، قمحية البشرة، لا أحد يقاوم جمالي، والدي أنا لا أعرفه، ولا والدتي فلم أذق دفء حضنها، كل ما أعرفه أني منذ وعيت على الحياة وجدت نفسي في الخرابة، نعم إنه المكان الذي كنت أعيش فيه،
الخرابة مكان واسع جدًا في أحد المناطق الأقل من عشوائية، فلم نرتق حتى للعشوائية، حوله سور يحيط بالمكان، ليس سورًا من طوب حاشا لله، لا إنه سور من بقايا المباني، لكنه سور متماسك يصعب تسلقه لوجود قطع الزجاج المكسور والحديد، إلا منطقة مخفية لا يستطيع أي كان معرفتها إلا بعد البحث بدقة متناهية كانت خالية من الزجاج وكأن الله جعلها هكذا لنهرب منها، للخرابة بوابة حديدية كبيرة عنما تخطو بداخلها تجد منطقة واسعة فارغة، وفي أحد الأركان تجد مكان لجلوس الكبيرة وساعدها الأيمن وبعض كبار المنطقة، وتجد فيها أماكن متفرقة، مكان لتجمع الفتيات، ومكان للفتيه، ومكان للكبار.
منذ وعيت وأنا في هذا المكان أعتقد كنت أبلغ أربع سنوات، الكبيرة شكرية كما كانت تأمرنا أن نناديها أحضرتني هنا، شكرية كانت سيدة ممتلئة القوام جدًا لكنها كانت جميلة، ذلك اليوم محفور في ذاكرتي كنت أمسك بيد ناعمة رقيقة إنها أمي الحقيقية بالتأكيد في مكان مزدحم، وفجأة وجدتني في يد الكبيرة
صرخت" أمي، أمي"
فردت بحنو "لا تخافي يا صغيره أمك تشتري لك الحلوى اشربي هذا العصير لنذهب لها."
شربت العصير ونمت ولما أفقت وجدتني في الخرابة كانوا يتناقشون فيما بينهم ماذا سيفعلون بي؟ ولأي قسم سيوزعونني؟ كنت في قمة الخوف وأبكي طلبًا لأمي
نهرتني الكبيرة "اخرسي أيتها المزعجة، لو سمعت صوتك سأكويكِ بالنار"
وقربت النار مني فصَمَتُ تمامًا، وأنا أرتعد خوفًا، ساعتها احتضتني سناء كانت أكبر مني قليلًا "اسكتي وإلا كوتكِ"
لتنطق الكبيرة قائلة "هنا نظام"
قالت موجهة كلامها لي ولأطفال آخرين متفاوتي الأعمار "من يسمع الكلام سيكون حبيبي وفي عيني من يعصي أوامري لن يجد إلا النار"
وأحضرت صبيًا، لا أعتقد أن عمره تجاوز العاشرة وكان بجوارها أسياخ حديدية مفلطحة موضوعة على النار حتى توهجت
"هذا الولد لم يسمع الكلام ولم يطعني، يقول لي حرام أن أسرق"
قالت للولد" آخر مره يا صلاح هل ستسمع الكلام؟"
أجابها مرتعدًا "لا أبي علمني أن السرقة حرام"
ويا ليته ما قالها أمسكت الكبيرة بالسيخ المتقد كالجمر ووضعته على ظهر صلاح فوصل صراخه مداه وأخذنا نحن أيضًا في الصراخ
فصاحت فينا "اخرسوا وإلا مصيركم مثله"
فصمتنا جميعًا ونحن نرتعد وكم منا من تبول على نفسه من شدة خوفه
"هنا لا يوجد أبي ولا أمي هنا أنا الكبيرة وهذا ضرغام يدي اليمنى ومساعدي"
(ضرغام طويل ذو جسد قوي فهو الفتوة يحمل جسده العديد من العلامات
والندوب لديه علامة بارزه في وجهه من آثار قتال)
"كلامنا مطاع من يعصينا يعرف الآن مصيره، لا تعتقدوا أننا لن نعلمكم، ستتعلمون القراءة والكتابة، من نجده متفوقًا سيتعلم اللغات والأصول كل منكم له عمل على حسب قدراته ومهاراته"
أسمتني الكبيرة وردة لأني أذكرها بابنتها التي توفت في مثل سني وقتها، وكانت تحبني وتميزني عن باقي الأطفال، كنت البريمو كما يقولون، تعلمت القراءة
والكتابة، وكان عملي التسول مع سيدة غريبة الشكل تخفي وجهها اسمها لواحظ، كنت أتسول وردية الصباح وأتعلم في المساء، تعلمت الإنجليزية،
عندما أصبح عمري عشر سنوات علموني أصول السرقة بجانب أصول الحياة و الإتيكيت، لا تندهشوا هنا كل فرد له عمل ويتعلم كل شيء يمكن أن يواجه في عمله،
لم تكن الخرابة للتسول فقط كانت عالم كامل متكامل من الإجرام لدينا متسولين ونشالين وهجامين ونصابين للنصب على كل الطبقات بدءًا من الفقراء حتى علية القوم وصفوة المجتمع، لدينا أيضا بنات الليل والدعارة وديلرات المخدرات، وبيع الأطفال وتجارة الأعضاء، خرابتنا كانت عالمًا متكاملًا تحوي كل شيء، ولها قوانين
وأعراف من يخالفها يجد العقاب الرادع، في الخرابة يمنع على أي رجل التعرض لفتاة أو المساس بها عنوة أو حتى برضاها، من يرغب في فتاة مثلًا يجب أن يطلبها من ضرغام، وهو يقرر هل يعطيها له لتكون زوجته وحده لا يشاركه فيها أحد، أم يعطيها له للتمتع بها وتحمل وتنجب فيبيعون الطفل وتصبح هذه مهنتها منجبة أطفال، إما للبيع بغرض التبني أو لتجاره الأعضاء.
الوحيد في الخرابة الذي له الحق بكل البنات هو ضرغام لكن يجب أن يأخذ رأي الكبيرة أولًا، وهي لم تكن لتمنع عنه أية فتاة، إلا أنا كانت الكبيرة تحميني منه وتبعده عني.
تعلمتُ النشل وعندما نضجت عملت بالنصب، أراد ضرغام أن يشغلني بالدعارة لكن كان للكبيرة رأي آخر
"الفتاه جميلة ولبقة وتتعلم سريعًا، لنشغلها بالنصب مؤقتًا حتى نقع على ثري يفضل العذارى، ساعتها نبيعها له بالملايين، أنت تعلم يا ضرغام أن الثقافة والجمال والعذرية ثمنها عالي لدى أولئك الأثرياء من رجال الأعمال الذين يبحثون عن مرافقات دائمات لاستكمال مظهرهم"
فيجيبها "أنتِ تحمينها وهذا سيزيد غرورها وستظن نفسها ذات قيمة، دعيني أنال منها وأكسرها حتى تكتمل سيطرتنا عليها"
لتقول شكرية (لتسكت ضرغام) "نستفيد منها أولًا إن عقلها موزون وأفكارها ذهبية"
كنت أعلم بنيتهم فكنت دائمًا أتميز في مجالي وأعطيهم أفكارًا مبتكرة فما دمت مميزة فلي الخيار فيما أريد ولن أُجبر على شيء، ليس الآن على الأقل، تذكرت سناء صديقتي التي كانت بجواري دائمًا،
سناء صديقتي الوحيدة علموها النشل وعندما نضجت وظهرت أنوثتها قرروا أن تعمل بالدعارة، كانت أول مرة لها مع سائح أجنبي تمتع بعذريتها غصبًا وكان ساديًا أذاقها كل أنواع التعذيب، حتى أني ما زلت أذكر شكلها عندما أحضروها بعد انتهائه منها؛ ظلت في الفراش مريضة لمدة طويلة، فلقد أصيبت بنزيف حاد و استأصلوا لها الرحم، أخبرتني أنها قاومته مقاومة شرسة حتى أنها ضربته على رأسه بالمزهرية فأصابته وهربت لكن ضرغام أمسك بها وأعادها إليه وهذه المرة قيدها في السرير قبل أن يتركها فريسة له ليغتصبها ويتلذذ بتعذيبها، لم تكن تهمهم في شيء بالطبع، لقد دفع السائح مبلغًا كبيرًا ليفعل كل ما يريد، بعدها ألقوا بها للكباريه لتعمل راقصة فلقد كانت بارعة في الرقص، ولم يرحموها كانوا يرسلونها للرجال بالطلب في شققهم فكانت تضع لهم المخدر وتوهمهم بأنها قضت معهم ليلة من الأحلام، طبعًا لم يكن يعلم بهذا أي أحد إلا أنا، فلو علم ضرغام بهذا لقتلها.
كنا نخطط للهرب ونجمع النقود ليكون معنا ما يعيننا ونتريث في ذلك حتى لا يمسكنا ضرغام، فلو فعل كنا لنصير مثالًا وحكاية مما سيفعله بنا، فنحن لا نريد أن نلقى مصير عزة، تلك الجميلة التي رفضت الانصياع لهم وأعلنت العصيان كانوا قد خطفوها، بعد أن قتلوا خطيبها أمام ناظريها ولم تنفع محاولاتهم معها أبدًا، وعندما حاول ضرغام اغتصابها طعنته بسكين وجدتها في طبق الفاكهة، فأطلق عليها خمسة كلاب مسعورة تنهشها نهشًا أمامنا، انتقامًا منها لما فعلته به.
#نشوة_أبوالوفا
#nashwa_aboalwafa
التعليقات الأخيرة