الطرق الدينية في العصر المملوكي
الطرق الدينية في العصر المملوكي
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله الذي خلق فسوى وقدر فهدى، وأسعد وأشقى، وأضل بحكمته وهدى، ومنع وأعطى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي الأعلى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المصطفى، والرسول المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى، ثم أما بعد ذكرت المصادر التاريخية في حكايات الدولة المملوكية، أنه شاع التصوف والطرق الصوفية السنية في مختلف أنحاء البلاد خلال العصر المملوكي، ومن أشهر الطرق التي شاعت في مصر والشام آنذاك الطريقة الشاذلية، بالإضافة إلى الطريقتين الرفاعية والبدوية الأحمدية، وإقتصرت بعض الطرق على مصر فقط مثل الطريقة الدسوقية، لكن يلاحظ أنه في هذا العصر تحول التصوف إلى مجرد ترديد لعقائد السابقين ووضع الشروح عليها وتطبيق تعاليمهم، فلم تقع إبتكارات جديدة في هذا المجال.
كما في العصور العباسية الأولى، فانصرف هم المتصوفة المملوكيين إلى إنشاء الطرق الصوفية وتفرعها بحسب شهرة الشيخ وكثرة أتباعه، فتفرعت الطريقة الشاذلية والبدوية والسطوحية وغيرها إلى عدة طرق تفرعت بدورها، وهكذا، ويلاحظ أن التصوف سيطر على العصر المملوكي سيطرة كبيرة بحيث أن بعض السلاطين كانوا يعتقدون بكرامات بعض مشايخ الصوفية ويقربونهم إليهم، فالظاهر بيبرس تقرب من الشيخ خضر بن أبي بكر المهراني العدوي، وسمح بنمو وازدياد نفوذه بالدولة لإعتقاده بولايته وفي معرفته للغيب، رغم ما نسب إليه من إنحلال أخلاقي، وكان برقوق رغم حنكته السياسية يخضع للمجاذيب، حتى أن أحدهم وهو الشيخ محمد بن عبد الله الزهوري العجمي كان يبصق في وجهه، وعندما افتتح مدرسته الجامعة أعطاه مجذوب طوبة.
وأمره أن يضعها في المدرسة، فوضعها برقوق في قنديل وعلقه في المحراب، وظلت فيه باقيةن ومن القصص الشبيهة أيضا أن الشيخ إبراهيم الدسوقي طلب من السلطان الأشرف صلاح الدين خليل أن يترك نصف جزيرة الرحمانية المواجهة لمدينة دسوق للفقراء ينفقون منها على مصالحهم، فوافق، فبشره الشيخ بالنصر على الصليبيين في عكا، وقال المتصوفة إن بعد رجوع السلطان من عكا منتصرا، أصبح يكاتب الدسوقي ويبدأ رسالاته بعبارة مملوكك خليل، وكما ذكرت المصادر التاريخية أنه رغم أن المماليك التزموا بما تقضيه الشريعة الإسلامية، وما أقرته العهدة العمرية من ترك أهل الكتاب أحرارا في دينهم، إلا أن العهد المملوكي يعتبر إجمالا عهدا بائسا عند النصارى المشرقيين فيما يخص علاقتهم بالحكومة، وخصوصا خلال عهد المماليك البحرية.
ومرد ذلك للحروب الصليبية التي كان من آثارها تردي العلاقة بين الدولة والمسيحيين، وخصوصا مع الطوائف التي مالت إلى الصليبيين وتعاونت معهم فأدت بالتالي لتردي الثقة بينها وبين الحكم ويظهر أن سلاطين المماليك رغبوا في الظهور بمظهر حماة الدين لدعم مركزهم في نظر المسلمين، ولكن لا يفهم من ذلك أن دور المسيحيين انكفأ ذلك العصر، بل شارك النصارى في الحياة العامة بالدولة، وكان منهم العلماء والإداريون وكبار الموظفين، واستمرت المودة قائمة بين عوامهم وعوام المسلمين، لكن الدولة كانت تنظر إليهم أحيانا بعين الريبة، على أن اضطهاداتهم لم تك سمة بارزة في عصر المماليك بل كانت بشكل زوابع تظهر بين حين وآخر، فاللهم تب علينا، اللهم خذ بقلوبنا إلى طاعتك، اللهم أعنا على جهاد أنفسنا لتتجنب جلساء السوء، اللهم أعنا على جهاد أنفسنا لنلحق بركب الأخيار الأبرار.
التعليقات الأخيرة