news-details
مقالات

  ((قسمتي ونصيبي)) الفصل الأول

بقلم نشوة أبوالوفا

 
((قسمتي ونصيبي))
الفصل الأول


وقفت أمام نافذة مكتبها في الدور الخامس والعشرين من ناطحة السحاب التي تحتل شركتها فيها الدور بأكمله تنظر للجو بالخارج؛ ضبابي معتم يتخلله شعاع صغير للشمس توارى خجلًا أمام تلك السحب
اليوم حفل زفاف ابنها عمر 
مرت حياتها السابقة أمامها وأخذت في تذكر ماضيها الذي أوصلها لهذه اللحظة،
  ذكريات كثيرة مرت بخاطرها، أيام ومواقف أوصلتها للدور الخامس والعشرين في شركتها، في أحد تلك الأيام البعيدة، التي مضت ودفنتها تحت ركام العمل كانت قد استيقظت مبكرًا جابرة نفسها على ذلك، فهي لا تحب أبدًا الاستيقاظ المبكر، إنها عاشقه للسهر، وذلك اليوم كان بداية دراستها في عامها الأخير بكلية التجارة، 
دائمًا ما كانت محط إعجاب الجميع، فهي كما يصفونها 
  "طويلة القامة، ممشوقة القوام، شعرها مموج لونه ليل أسود، عيناها بنيتان،
 ساحرة الشخصية تأسرك بروحها المرحة، وملامحها الجذابة، وضحكتها الفاتنة، تمتلك موهبة فذة في الرسم وتصميم الملابس"
 وكان زملائها يتسابقون لنيل رضاها لكنها لم تكن تلقي بالًا لأي منهم، فلقد كانت معجبة بوسام أخو رشا صديقتها آن ذاك، التي تعرفت عليها في الكلية منذ اليوم الأول ودائمًا ما كانت تراه مرافقُا لرشا عندما كان يوصلها للكلية في طريقه لكليته فوسام معيد بكلية حقوق، وسام كان أيضًا معجبًا بها وهذا ما أسرت لها به رشا  
فهي " فتاة محترمة من عائلة وستكون إنسانة مناسبة للزواج" 
هذا ما قاله لها وسام.
ذلك اليوم حان موعد عودة وسام من سفره فلقد كان بالخارج في بعثه، ستراه أخيرًا اليوم بعد غياب سنة كاملة.
  تذكرت ما حدث وقتها وكأنه يحدث الآن أمامها، هي أدرى مني بقصتها وسترويها لكم...
  استقبلتني رشا يومها مبتسمة كالعادة: صباحًا محملًا بالفل يا زوجه أخي المستقبلية.
أجبتها بخجل: صباح الفل يا رشا، لا أحب المزاح في هذه الأمور.
قالت رشا وقد تصنعت الجدية: ومن قال إني أمزح، سيكلم وسام والدك اليوم ليحدد موعدًا لنخطبك.
تهللت أساريري ساعتها وكأنني ملكت الكون بين راحة يدي: حقًا يا رشا؟!
احتضنتني رشا بحب: وهل أكذب عليك في أمر كهذا، لكن وسام يريد الحديث معك أولًا في مكتبه هيا لنذهب له.
وسام، طويل القامة، عريض المنكبين، ليس على درجة عالية من الوسامة إنه مقبول الشكل، لكن له جاذبية تشدني إليه بدون أن أعلم السبب.
دخلنا وألقينا السلام 
وبادرت رشا بالقول: ها هي مُنى يا وسام، اسألها ما تريد.
تنحنح وسام مبتسمًا: آنسة مُنى، بالطبع أخبرتك صديقتك بم أريد، أتمنى أن أجد لديك قبولًا مبدأيًا لطلبي.
أجبته بخجل: إن شاء الله.
وغادرت مسرعة.
ضحك وسام وهاتف والدي السيد غازي وأخذ منه موعدًا بعد يومان لطلب يدي.
عندما عدت للمنزل ناداني والدي: لقد تقدم وسام الكاشف بطلب لخطبتك هل لديك علم بذلك؟
أخفضت رأسي ساعتها بخجل: أخبرتني رشا.
- وما قولك فيه؟
قلت وقد شعرت بوجنتي تستشري فيهما نيران الخجل: القول قولك يا والدي.
رد ضاحكًا: إذن أنت موافقة.
- عن إذنك.
 وتركته هاربة لغرفتي.
كان هذا ما أتذكره من حديثي مع والدي عند تقدم وسام لخطبتي 
أما نهله والدتي كانت في منتهي الفرح فستخطب صغيرتها ومدللتها آخر العنقود 
جاء يوم مقابلة وسام لوالدي، لم يكن والدي مرتاحًا لوسام، أحس فيه بنزعة من التكبر والغرور لأنه معيد بالكلية ويُحضِر للدكتوراة، لكن لم يشأ أن يكسر بقلبي حيث كان ظاهرًا عليّ فرحتي بوسام، وحددا يومًا للخطوبة. 
طلب وسام بلا أي خجل حفلًا كبيرًا وفخمًا، لكي يدعو أصدقائه المعيدين والدكاترة وعميد الكلية، تضايق والدي من هذا الطلب رغم أنه لم يكن ليجعل أبدًا حفل الخطبة بسيطًا، فأنا مُنى حبة قلبه وآخر العنقود، لكن لم يكن يصح أن يطلبها وسام هكذا صريحة. 
قال إنه سيحضر لي هدية الخطبة خاتمًا ماسيًا
"لا أستطيع أن أدعو العميد إلى الخطبة مقدمًا شبكة ذهبية عادية" "هكذا قال وسام
كنت في قمة سعادتي سيتحقق حلمي، حضرت أختاي نهى وزهراء مع زوجيهما وأولادهما، فكل منهما متزوجة في محافظة. 
نهى متزوجة في الدقهلية من هادي محمد، يعمل مدرس تربية رياضيه ولديها من الأولاد سامر وسمر، أما زهراء فمتزوجة في كفر الشيخ من غالي رجل الأعمال، ولديها بنت وحيدة أسمتها هنا.
مر حفل الخطبة كئيبًا، وسام لم يدعني أترك الكرسي إلا للسلام على المعيد وباقي عمداء الكليات المهمين، كلما هممت بالقيام للرقص بصحبة زميلاتي وأختاي كان يطالبني بالجلوس لكيلا أسيء لمظهره المهم على حد قوله
 "كيف تتراقص زوجته أمام عمداء الكليات؟!" 
مرت الأيام  
في كل يوم كان أبي يتأكد من أن هذا الوسام لا يصلح أبدًا لي، أما أنا كنت عمياء، صماء، ألتمس له الأعذار دائمًا. 
طالب وسام بتحديد موعد للزفاف وعقد القران سريعًا ليأخذني ويسافر لاستكمال بعثته وقد كنت حاضرة لحواره مع والدي 
سأله والدي بهدوء: ألن تحضر الشقة يا ولدي لنجهزها لكما!
رد بتعال: الشقة جاهزة في بيت أهلي، أحضر أنت الأثاث سأدفع لك المهر وجهز الشقة.
ظهر الضيق على ملامح والدي: لم يكن هذا اتفاقنا، اتفقنا على أن تحضر شقة بعيدة عن منزل أهلك، لنتلافى أي مشاكل مستقبلية.
أجابه وسام ببرود: ظروفي لا تسمح.
رد أبي محاولًا الحفاظ على هدوءه: إذن سأضع المهر في حساب لمُنى بالبنك حتى تسمح ظروفك بإحضار شقة مناسبة.
انبرى وسام للقول سريعًا: ولماذا في حساب منى؟ لا فرق بيننا، سنضعه في حسابي، وسنعقد القران ونسافر مباشره بلا حفل زفاف.
لم يوافق والدي أبدًا على هذا الحديث الفارغ الذي أظهر بما لا يدع مجالًا للشك طمع وسام الواضح، مع أن وسام كان ذو مركز مرموق وحالة مادية عالية، وفسخ الخطبة. 
تضايقت كثيرًا ولازمت غرفتي، وسط محاولات من رشا للتأثير عليّ لأجبر أبي على اتمام الزواج. 
علمت من رشا أن وسام سيسافر بعد أسبوع وسيكون بالكلية لإنهاء بعض الأوراق،  
 بعد أن جلست مع نفسي قليلًا، قررت أن أنزل لأراه وأتحدث معه، فربما أقنعه 
وأجعله ينفذ ما يريده والدي. 
 صعدت لمكتبه وهممت بفتح الباب لكني تسمرت عندما سمعت وسام يتحدث مع زميل له عني، وكان يخبره بفخر أنه متأكد أني سآتي له لأني أحبه وسأضغط على والدي ليوافق وسيجعل والدي يتكفل بكل المصاريف
  "ربما حتى توافق على الهرب معي" 
هكذا قال وسام لزميله، صعقت مما سمعت، وكأن الله أمر بزوال الغشاوة التي كانت تعميني. 
غادرت وأخرجت وسام من قلبي للأبد.
مرت الأيام...
بعد انتهاء الكلية تقدم لي أحمد المنشاوي
 تمت خطبتنا بناء على رغبة نهلة والدتي العزيزة، فلقد كان أحمد ابنًا لإحدى صديقاتها لكن لم أكن أطيقه أبدًا، واكتشف والدي أنه انسان مريض بالكذب وداء السرقة بعد أن اختفت من منزلنا العديد من الأشياء في وجود ذلك المنشاوي، وتيقن والدي من أنه سرقها حين اختفت ولاعته الفضية التي كانت والدتي أهدتها له في عيد زواجهما وكانت قد طالبت بنقشها خصيصًا باسمه واسمها وتاريخ زواجهما ووجدها والدي معه بعد اختفائها بأسبوع، سعيدة الحظ أنا أليس كذلك؟! ففسخت الخطبة.
بعد فترة تقدم لي علاء، رجل متوسط الحال يعمل رسامًا وخطاطًا 
أوهم الجميع بأدبه وأخلاقه واهتمامه بي، كان يدللني ويغدق عليّ بالكلمات الرومانسية، حتى اطمأنت نفسي له، ونويت أن أكمل معه حياتي، فلم أكن لأفسخ الخطبة الثالثة، ماذا سيقول عني الناس؟ هذا منطق أمي نهلة.  
بم أن علاء متوسط الحال، فكان والدي يساعد كثيرًا في متطلبات الجهاز، ويقول لعلاء "أنت بمقام ابني، وكل ما يهمني أن تضع مُنى بعينيك" 
  كان أبي مخدوعًا في علاء، وعلاء كان يخفي طمعه في البداية، وعندما بدأ طمعه في الظهور كان موعد الفرح قد اقترب وخشى أبي من كلام الناس فآثر شراء سعادتي بالنقود. 
حجز علاء قاعة فخمة في فندق مشهور، تعجب والدي لأن إيجار القاعة كان بالطبع غاليًا، فتحجج علاء بأنه قام بعمل جمعية كبيرة لهذا اليوم ليفرحني، لأن حفل الخطبة كان متواضعًا ومقتصرًا على الأقارب، عرض والدي على علاء أن يتقاسم معه ثمن الحجز، لكنه رفض وقال هذه هديتي لمُنى، ودفع العربون، ولكن في اليوم المفترض فيه دفع باقي المبلغ فوجئ والدي باتصال هاتفي من علاء يخبره أنه تعرض للسرقة في طريقه لدفع المبلغ، وذهب إليه والدي ودفع هو المبلغ ووعده علاء بسداد المبلغ كاملًا عندما تتيسر الأحوال.
حضرت أختاي قبل أسبوع من الفرح، أوصلهما زوجيهما وغادرا،
مظهر أختاي كان متغيرًا، لكن كانت رأسي مشغولة بما أنا مقدمة عليه،
يوم حفل الحناء كان الكل سعيدًا، لم ينغص علينا شيء سوى العقارب أخوات علاء،
لعلاء ثلاثة أخوات رغد وروان ورباب، رغد متزوجة، وروان ورباب اللتان تشبهان ريا وسكينه لم تتزوجا، وطوال الحفل لم تتركا شيئًا إلا وانتقدتاه، كدت أن أضربهما لكن أمي العزيزة هدأتني، وقالت تحملي ما هذا إلا غيرة منهما. 
#nashwa_aboalwafa
#نشوة_أبوالوفا

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا