لم يعرف التاريخ قائدا مثله
لم يعرف التاريخ قائدا مثله
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن الحمد لله نحمده ونستعين به ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عيه وسلم، أما بعد لقد كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يعلم أصحابه العفو عند المقدرة، وقد تجلى ذلك منه عمليا يوم الفتح، يوم أن دخل مكة ظافرا منتصرا يكاد رأسه يمس سرج فرسه من الخضوع، يوم أن دخلها في خضوع المؤمنين لا في صلف الجبارين والمتعنتين، وقد إجتمع حوله أقطاب قريش وصناديدهم ينظرون ما هو فاعل بهم، تصطك مفاصلهم، وترتجف قلوبهم من هول ما ينظرون جريا على عادة الفاتحين المتغلبين يومئذ قال لهم " يا أهل مكة ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال اذهبوا فأنتم الطلقاء"
وقد قصده غورث بن الحارث ليفتك به وهو نائم في حر الظهيرة تحت شجرة بعيدا عن أصحابه وهم جميعا نائمون، فأحس صلى الله عليه وسلم بحركة فانتبه فإذا رجل قائم على رأسه والسيف مصلت في يده قائلا " ما يمنعك مني يا محمد؟ فقال الله يمنعني منك ويعصمني " فسقط السيف من يد الرجل، فتناوله النبي صلى الله عليه وسلم وقال للرجل " ما يمنعك مني يا أخا العرب؟ فقال حلمك وعفوك، فتركه النبي صلي الله عليه وسلم وعفا عنه، فرجع الرجل إلى قومه مسلما يقول لهم جئتكم من عند خير الناس" وجاءه رجل لم يسلم وكان له دين عليه أي قرض له، وجاءه يتقاضاه دينه، فجذب ثوبه عن منكبيه، وأخذ بمجامع ثيابه وأغلظ، ثم قال "إنكم يا بني عبد المطلب مُطل، فإنتهره عمر وشدد له في القول، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا.
وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج يا عمر، تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي" ثم قال " لقد بقي من أجله ثلاث، وأمر عمر بأن يقضيه ماله، ويزيده عشرين صاعا لما روعه " فكان سبب إسلامه، ولقد كان رسول الله عليه وسلم شجاعا كأتمّ ما تكون الشجاعة، لم يكن شجاعا بالقول فقط، وإنما كان شجاعا بالفعل، وفي ذلك يقول علي رضي الله عنه " لقد كنا إذا حمى البأس، وإحمرت الحدق، إتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلي الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا" وكان الشجاع هو الذي يقرب منه صلى الله عليه وسلم إذا دنا العدو لقربه منه، وليس يعرف التاريخ قائدا بطلا كرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فقد فرّ أصحابه من موقفهم يوم أحد متلهين بالغنائم.
مخالفين عن أمره ألا يبرحوا الشعب ولو رأوه وأصحابه يقتلون، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي بنفسه عن قوسه حتى إندقت سيتها، وأحاط به نفر من المسلمين يدفعون عنه ويحمونه، وترّس أبو دجانة بنفسه دون رسول الله صلي الله عليه وسلم، فنحى ظهره والنبل يقع فيه، ووقف سعد بن وقاص ضي الله عنه إلى جانبه يرمي بالنيل دونه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناوله النيل ويقول له "ارم فداك أبي وأمي" وأصيب النبي صلى الله عليه وسلم فوقع لشقه، وكسرت رباعيته، وشج وجهه، وكلمت شفته، ودخلت حلقتان من المغفر الذي يستر به وجهه وفي وجنتيه، ولكنه مع هذا تمالك نفسه وأخذ ينادي المسلمين "إلي عباد الله إلي عباد الله" فإذا به يقع في حفرة حفرها المشركون ليقع فيها المسلمون، فيأخذ علي بيده، ويرفعه طلحة بن عبيد الله حتى يستوي.
التعليقات الأخيرة