كان قدوة في أعماله وأسوة بأفعاله
كان قدوة في أعماله وأسوة بأفعاله
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله كما أمر وأشكره على نعمه وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولو كره ذلك من أشرك به وكفر، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد البشر الشافع المشفع في المحشر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان ما إنبلج فجر وإنفجر وسلم تسليما كثيرا، أما بعد قال الله سبحانه وتعالي " يا أيها الذين آمنوا لما تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تقعلون " نعم قد نجد القول في شيء من الآيات والأحاديث ولكن مقرونا بطلب العمل، حيث يقول الله تعالي " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا " وعندما سئل النبي صلي الله عليه وسلم قال " قل آمنت بالله، ثم استقم " وهكذا كان صاحب الرسالة صلوات الله عليه فعالا لا قوالا، كان فعله أكثر من قوله، ذلك أن القول إذا لم يتبعه العمل كان الإيمان بالقائل ضعيفا.
وربما عدّ القائل الذي لا يعمل منافقا أو مخادعا، ولقد كثر في أيامنا الدعاة إلى الخير وإلى الفضيلة وإلى الإصلاح وإلى الإنقاذ ولم تتجاوز دعواتهم حناجرهم، فعادت عليهم بالخسران والوبال، وسيخرجهم الزمن طوعا أو كرها من صفوف المصلحين، وسيعلم الناس أنهم فيما يدعون كاذبون، وأنهم فيما يقولون مخادعون، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، وكان النبي صلى الله عليه وسلم معلما بالعمل لا بالقول، وكان داعيا للفضيلة بالفضيلة تفيض من نفسه، وكان قدوة في أعماله، وأسوة بأفعاله، يتوضأ ويقول لأصحابه " هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي" لم يشرح لهم فرضا ولا سنة ولا مستحبا، كان يصلي ويقول لأصحابه " صلوا كما رأيتموني أصلي " كان يحج ويقول " خذوا عني مناسككم " لذلك كان عظيما وعظيما فوق العظماء.
ولنذكر لكم بعض المثل العملية في ناحيتين من نواحي تلك العظمة العملية، ناحية تربيته للنفوس على الفضائل، وناحية إصلاحه للمجتمع إصلاحا منظما ثابت الأركان، مدعّم الجوانب، ومنها طريقة الرسول في التهذيب، حيث يقول الله تعالى كما جاء في سورة آل عمران " لقد من الله علي المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين " ولنقف في هذه الآية عند قوله تعالى " ويزكيهم " والتزكية تطهير النفوس، وتقويم الأخلاق، ولذلك طريقان، أحدهما هو شرح للأخلاق الطيبة من مزايا وآثار تعود على المرء وعلى المجتمع بالخير والسعادة، وهي الطريقة الوحيدة التي يعتمد عليها دعاة الإسلام ورؤساؤه اليوم، والثاني هو ضرب المثل العملية في هذه الأخلاق الفاضلة، ليرى الناس آثارها بأعينهم.
وتنفعل بها نفوسهم فيتسابقون إلى التحلي بها، والإنتفاع بآثارها، وهذا الطريق الحكيم هو الذي سلكه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في تزكية النفوس، وتقويم الأخلاق، وكان قليلا ما يكتفي بالطريق الأول، وكان صلي الله عليه وسلم يدعو إلى الرحمة، ويضرب المثل العملية في جميع تصرفاته، وليس أدل على هذا من موقفه من قومه، وقد كادوا ما كادوا، فجاءه جبريل يقول له إن الله قد علم ما رد به قومك عليك، وقد أمر ملك الجبال أن يصنع ما شئت بهم، فناداه ملك الجبال مرني يا محمد بما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت، فماذا كان جوابه؟ ماذا كان جوابه وقد أتته القوة التي لا تبقي ولا تذر؟ ماذا كان جوابه وقد مكن له من الذين نكلوا به وبأصحابه وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم؟ كان جوابه لا، بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله.
وجاءه عمر بن الخطاب بعد غزوة أحد وقال له بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال " رب لا تذر علي الأرض من الكافرين ديارا " ولو دعوت علينا بمثلها لهلكنا عن آخرنا، فلقد وطئ ظهرك، وأُدمي وجهك، وكسرت رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيرا، فقلت " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون "
التعليقات الأخيرة