news-details
مقالات

الإصلاح الحقيقي في العراق: لماذا لا يكفي تبديل الوجوه؟ 23/ايلول/2025

الإصلاح الحقيقي في العراق: لماذا لا يكفي تبديل الوجوه؟
23/ايلول/2025


بقلم/ عدنان صگر الخليفه 

يعتقد الكثيرون في العراق أن حل مشاكل البلاد يكمن في استبدال الوجوه السياسية الحالية بأخرى جديدة. هذا الاعتقاد مبني على اليأس من الطبقة السياسية الحاكمة، وعلى أمل أن يأتي شخص جديد قادر على إحداث تغيير جذري. ولكن، هل يكفي فعلاً تبديل الوجوه لتحقيق الإصلاح المنشود؟ وهل الفساد هو مجرد مشكلة أفراد، أم أنه مشكلة منظومة بأكملها؟ لقد شهدت الساحة السياسية العراقية منذ عام 2003 تبديلاً متكرراً للوجوه، ومع ذلك، ظل الفساد يقبع في مؤسسات الدولة، بل وتزايد في كثير من الأحيان. هذا الواقع يؤكد أن التركيز على الأشخاص فقط هو نهج قاصر، ولا يلامس الجذور الحقيقية للمشكلة.
إن الفساد المستشري في العراق ليس نتيجة فساد شخص أو مجموعة، بل هو نتاج منظومة سياسية بُنيت على أسس خاطئة. نظام المحاصصة الطائفية والحزبية، وضعف القوانين الرقابية، وعدم استقلالية القضاء، كلها عوامل سمحت بنمو الفساد وتجذره. عندما يتم تبديل وجه بآخر، فإن الشخص الجديد يجد نفسه أمام نفس الهياكل والآليات الفاسدة. إما أن يندمج فيها ويصبح جزءًا منها، أو يجد نفسه عاجزًا عن إحداث أي تغيير حقيقي. إن الدعوة إلى "تبديل الوجوه" هي في كثير من الأحيان مجرد غطاء سياسي لإعادة تدوير نفس النخب، وإزاحة فئة لتحل محلها فئة أخرى دون تغيير جوهري في بنية السلطة أو طريقة عملها.
إن الإصلاح الشامل الذي يحتاجه العراق هو إصلاح هيكلي يغير من طريقة عمل النظام السياسي نفسه. هذا الإصلاح يجب أن يركز على تغيير الأدوات التي تنتج هذه الوجوه، وليس فقط على تغيير الوجوه نفسها. هذا يبدأ بتغيير قانون الانتخابات ليصبح أكثر عدالة وشفافية، ويقلل من تأثير المال السياسي والولاءات الحزبية، ويفتح الباب أمام الكفاءات المستقلة. كما يجب أن يتضمن تفعيل القوانين الرقابية، وضمان استقلالية القضاء وهيئات النزاهة لمنحها الصلاحيات الكاملة لمحاسبة المسؤولين الكبار. قد يتطلب الأمر أيضًا مراجعة المواد الدستورية التي رسخت المحاصصة السياسية، والتي سمحت بوجود الثغرات التي يستغلها المفسدون.
إن أي دعوة للإصلاح لا تركز على هذه النقاط الجوهرية هي دعوة قاصرة ومضللة. إن الإصلاح الحقيقي في العراق لا يتحقق بتغيير الأشخاص، بل بتغيير المنظومة القانونية والتشريعية التي تحكمهم. علينا أن ننتقل من نظام يعتمد على ديمقراطية المحاصصة إلى نظام يعتمد على ديمقراطية المؤسسات القوية والشفافة والخاضعة للمساءلة. هذا هو السبيل الوحيد لضمان أن الوجوه التي تصل إلى السلطة ستكون مجبرة على خدمة الصالح العام، وليس مصالحها الخاصة.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا