news-details
مرأة

حين تتحول الملابس إلى طريقة للنجاة من العالم بقلم/ميرنا حسن " جريده الأضواء المصريه "

حين تتحول الملابس إلى طريقة للنجاة من العالم

بقلم/ميرنا حسن 

الموضه ليست قطع قماش تُفصَّل على الجسد ولا صيحات موسمية تتحرك بأمر مواسم البيع والشراء الموضه أعمق كثيرا من كل ما يظهر على الواجهات إنها الحكاية الصامتة التي ترويها كل قطعة نرتديها دون أن ننطق بكلمة الطريقة التي نحاول بها أن نفهم أنفسنا وأن نحمي ما تبقى منا وأن نقف أمام العالم بثبات حتى عندما لا نشعر بالقوة
من قال إن الملابس مجرد اختيار؟
الملابس في حقيقتها اعتراف خفي بالحالة التي نعيشها لكل لون معنى ولكل خامة شعور ولكل تفصيلة رسالة لا يفهمها إلا من يعرف كيف يسمع ما وراء القماش لأن الموضه ليست استعراضا إنها لغة تترجم ما يختبئ داخلنا منذ أيام طويلة
في الصباح حين نقف أمام الدولاب نحن لا نختار بنطالاً ولا قميصاً نحن نختار شكل الطاقة التي نحملها نحو اليوم إن كانت الروح منهكة نميل إلى الألوان الهادئة التي لا تطلب مجهوداً وإن كان القلب يريد أن يشعر بالحياة نختار شيئاً لامعاً أو جريئاً كأننا نقول لأنفسنا نحن نستحق أن نُرى حتى لو لم يرانا أحد
الموضه لا تُقاس بما يرتديه المشاهير ولا بما تعلنه الماركات الكبيرة الموضه الحقيقية تقاس بمدى صدقك مع نفسك حين ترتدي قطعة تجعلك تقف باعتدال أو قطعة تجعلك تبتسم دون أن تنتبه أو قطعة تشعر فيها أنك تشبه نفسك أكثر مما تشبه ما يتوقعه الناس منك
وهناك لحظات يصبح فيها اختيار الملابس نوعاً من العلاج نحن نختار القطعة التي تمنحنا أمانا صغيراً أو تلك التي تذكّرنا بأننا مررنا بأيام صعبة ونجونا أو قطعة ارتبطت بذكرى جميلة فصارت مثل درع نرتديه دون أن يلاحظ أحد
حتى الأطفال يملكون لغتهم الخاصة في الموضه فالطفل الممتلئ بالمرح يختار ما يركض فيه براحة والطفلة التي تحب الألوان تملأ يومها بالضوء دون أن تشرح شيئاً كأن الموضه لديهم قدرة فطرية على التعبير بلا تكلّف
والمرأة حين تختار ملابسها لا تبحث عن جمال فقط بل تبحث عن مساحة لتتنفس تبحث عن قطعة تحتمل خطواتها السريعة وعن قماش يعانق يومها دون أن يرهقها تبحث عن شكل يعيد إليها ما فقدته في زحمة الحياة حتى لو كان ذلك في فستان بسيط أو طرحه خفيفة أو حذاء يعرف طريقه معها منذ زمن
الموضه ليست ما نلبسه فقط إنها كيف نمشي ونحن نرتديه كيف نتنفس داخله كيف نواجه به العالم فهناك ملابس تمنحك ثقة لا تعرف مصدرها وهناك ملابس تسحب منك ضوءك دون أن تدرك لذلك تختار الروح قبل أن يختار الجسد
ومع الوقت ندرك أن القطع التي أحببناها لم تكن أجمل ما نملك لكنها كانت الأصدق كانت تشبه ضحكتنا أو تعبنا أو مزاج يوم عشنا فيه بسلام ولهذا ظلت قريبة منا حتى بعد انتهاء موضتها
وفي النهاية تبقى الموضه رحلة بحث مستمرة عن نسخة أكثر راحة من أنفسنا فنحن لا نرتدي الملابس لنبدو أجمل للناس بل لنبدو أكثر وضوحاً لأنفسنا لنشعر بأننا ما زلنا قادرين على ترتيب الفوضى الصغيرة في الداخل ولو من خلال قميص مستقيم أو لون يخفف ثقل القلب
الموضه ليست صناعة فقط وليست رفاهية كما يظن البعض إنها طريقة للنجاة من العالم ولحماية ما هو هش في داخلنا إنها لحظة نقف فيها أمام المرآة ونقول لأنفسنا بهدوء
هذا اليوم يستحق أن نعيشه… وهذه القطعة سترافقني فيه بثبات

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا