news-details
مقالات

نهاية الصراع المكتوم والظلم الفاحش

نهاية الصراع المكتوم والظلم الفاحش


بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لك يا رب العالمين، أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيران ثم أما بعد ذكرت المصادر التاريخية الكثير عن حرب البسوس التي دارت رحاها في شبه جزيرة العرب منذ أكثر من ألف وخمسمائة عام، وحرب البسوس تقدم لنا الكثير من الدروس والعبر، ومن بين أهم هذه الدروس، هو إعتزال الفتنة حقنا للدماء، كما فعل الحارث بن عباد في بدايتها، والتسامح والعفو عند المقدرة كما فعل في نهايتها، وتقبيح الظلم وإضطهاد الناس ومنعهم ما يحتاجون، ولكن في بداية الأمر كان ملك قبيلة تغلب وهو كليب بن ربيعة، وقد كان جساس ومن حوله من إخوانه في قبيلة بكر قد طفح كيلهم وفاضت نفوسهم من الصراع المكتوم والظلم الفاحش الذي تعرضوا له. 




من كليب وبدأ جساس في عتاب ساخن مع كليب ابن عمه وزوج شقيقته، وذكر أمر ناقة خالته البسوس بنت منقذ، وما تبع ذلك من تجبر وظلم، حتى كاد أن يقتلهم عطشا، فما كان من جساس إلا أن أجهز عليه وسدد حربته، وسقط ملك العرب أرضا والكل في ذهول وخوف، لدرجة أنه طلب شربة ماء من جساس فرفض وقال عبارته الشهيرة " لقد جاوزت شبيثا والأحص وماءهما" وكرر الطلب على عمرو بن الحارث فلم يجبه، بل نزع سيفه وطعنه حتى الموت، وثارت العرب عندما علمت بمقتل كليب، وفر جساس إلى الصحاري يختبئ من مصير مهلك، وأرسلت قبيلة تغلب رجالا إلى أبناء عمومتهم في بكر  للتفاوض مع "مرة بن ذهل الشيباني" والد جساس، فقالوا له كما جاء الحديث نصا في كتاب العقد الفريد، وكتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. 




"إنكم أتيتم عظيما بقتلكم كليبا بناب من الإبل، فقطعتم الرحم، وانتهكتم الحرمة، ونحن نعرض عليكم خلالا أربع لكم فيها مخرج، ولنا مقنع،  فقال وما هي؟ فقالوا تحيي لنا كليبا، أو تدفع إلينا جساسا قاتله فنقتله به، أو هماما فإنه كفء له، أو تمكننا من نفسك فإن فيك وفاء من دمه؟ فقال لهم أما إحيائي كليبا فهذا ما لا يكون؟ وأما جساس فإنه غلام طعن طعنة على عجل، ثم ركب فرسه فلا أدري أي البلاد أحتوى عليه وأما همام فإنه أبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة، كلهم فرسان قومهم، فلن يسلموه لي فأدفعه إليكم يقتل بجريرة غيره، وأما أنا فهل هو إلا أن تجول الخيل جولة غدا فأكون أول قتيل بينها، فما أتعجل من الموت؟ ولكن لكم عندي خصلتان أما إحداهما، فهؤلاء بني الباقون فعلقوا في عنق أيهم شئتم.





فانطلقوا به إلى رحالكم فاذبحوه ذبح الجزور، وإلا فألف ناقة سوداء المقل أقيم لكم بها كفيلا من بني وائل، فغضبوا منه وقالوا لقد أسأت، ترذل لنا ولدك وتسومنا اللبن من دم كليب" وجاء الخبر إلى عدى بن ربيعة، أو "الزير سالم" كما تذكره أخبار العرب، الذي إعتزل الناس بعدها لفترة وإنقطع لشرب الخمر، حتى هب لثأر أخيه، وقاد حربا شعواء على قبائل بكر، وقد إنتصر في أكثر من ثماني معارك متتالية، وألحق خسائر كبيرة في صفوفهم، حتى صار أحد أساطير العرب، ومضربا للأمثال في الإقدام والشجاعة، لدرجة تحول معها إلى قاتل مجنون أفنى قومه في حرب باتت بلا هدف بعدما قتل سادتها، جساس وهمام وأبيهم مرة، وآلاف الفرسان، ومازالت العرب تساند الزير سالم، وتقتل أبناء بكر ثأرا لكليب بن ربيعة، حتى جاء الحدث الدرامي الأكبر الذي غير المسار وصحح الوضع. 





وحول دفة الصراع ثلاثمائة وستون درجة، فلم يكن الحارث بن عباد، سيد قبيلة بني ضبيعة، أحد القبائل المنتمية لبكر إلا معتزلا للحرب، منذ إندلاعها وصحب قومه بعيدا عنها، وعندما طلب عدي بن ربيعة، فرسته الشهيرة النعامة ليشارك بها في حرب البسوس رفض وقال قولته الشهيرة " هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل" إلا أن ولده الوحيد بجير وكان في سن الشباب، خرج لإبل يرعاها، حتى وجده رجال  الزير سالم، وقيدوه وأخذوه إليه، وقد جاء الخبر إلى أبيه فقال إن قتلوا بجيرا، فنعم القتيل من أصلح بين ابني وائل لتنتهي هذه الحرب، إلا أن رأسه جاءت إلى أبيه، ومعها من يخبره أن ولده قتل بشسع نعل كليب أي "رباط حذائه" لتتحول هذه القصة إلى ذروتها لتكتب نهاية لهذا الصراع الدموي، الذي إستمر لعقود طويلة.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا