news-details
منوعات

أثر الوعاء في حفظ القراص العربي

أثر الوعاء في حفظ التراث العربي 
د. محمد علي عطا
Ma.ata.2020@gmail.com
   حرص الإنسان منذ القدم على توثيق حياته ومعارفه ومعتقداته وفنونه، واتخذ هذا التوثيق عدة أوعية تبعًا لتطور الحضارة، مثل الكتابة والرسم على الصخور والحجارة وجدران الكهوف، والألواح الطينية، وعلى عظام الحيوانات وجلودها، وعلى ورق البردي عند المصريين والورق الصيني عند الصينيين، ثم ظهور الطباعة بمراحل تطورها، وظهور آلات تسجيل الأصوات وتسجيل الصورة والحركة، ولكن مع هذا الحرض ضاع كثير من التراث المكتوب والمرئي والمسموع، وتفصيل ذلك عربيًّا على النحو الآتي:
  التراث المكتوب: في العصر الجاهلي كان وعاء العلوم والآداب هو الصدور والذاكرة الجيدة، وكانت تنتقل من فم لأذن شفاهًا، وبعد شروق شمس الإسلام ظلت تنقل المعارف شفاهًا مدةً، ثم انتشر التدوين على الورق، وكانت أول كتب وصلتنا هي صحيفة همَّام بن منبِّه (ت101هـ)، ثم كتاب الهمز لعبد الله الحضرمي (ت117هـ)، ثم المغازي لموسى بن عقبة (ت141هـ)، ثم جامع معمر بن راشد (ت153هـ)، ثم مقتل الحسين لأبي مِخْنَف (ت157هـ)، ثم كتاب سيبويه (ت175هـ). 
   وقد وفر ذلك وعاءً أوسع للكتابة وسهولة أكثر في تداول العلوم والمعارف والآداب إلى حد ما، ولكن لأن الكتابة كانت يدوية وكانت نسخة الكتاب لا تغني عن أخذها عن المؤلف مباشرةً أو بسند متصل إليه، فكانت نسخ الكتاب الواحد معدودة، ومحددة بمكان جغرافي إلى أن يحملها طلبة العلم نسخًا ودرسًا وسندًا إلى مكان جغرافي آخر، ومثال على ذلك الكتب التي أدخلها أبو علي القالي (ت356هـ) للأندلس، والتي ذكرها ابن خير الإشبيلي (ت 575هـ) في فهرسه، واستمر النشاط العلمي لتدوين العلم ونسخه ودرسه ونقل سنده حتى بلغ ذروته في القرنين الرابع والخامس.
    ثم ظهر وعاء الكتاب المطبوع بظهور الطباعة في أوروبا على يد "يوهانس غوتنبرج" في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، فوفر سهولة أكثر في النسخ وانتشارًا أكبر للعلم ونشر المعرفة وتعميمها ودقتها، وتطورت الطباعة من مرحلة حجرية إلى المراحل الحديثة.
   ثم ظهر الوعاء الإلكتروني الذي يسمح بتداول الكتب، والذي أصبح يعتمد عليه كثير من طلبة العلم.
   وكان لكل وعاء من الأوعية السابقة أثر في حفظ التراث المكتوب من الضياع، وتفصيل ذلك على النحو الآتي:
-لم يدون مستخدمو الصخور والطين إلا الرسمي والمهم من معارفهم؛ لصعوبة إيجاد مساحات لكتابة كل شيء، وضاع كثير من هذا الوعاء بهلاك بعض الأمم العاصية، وبانطماس بعضها تحت الأرض بفعل الزمن، والذي نجا منها لم يهتم أصحاب الثقافة الشفاهية في العالم العربي بنقل المنقوش عليها؛ لعدم إدراك أهميتها، وللجهل باللغات التي كتبت بها، فلم تفك رموزها إلا على يد ابن وحشية النبطي (ت935هـ) الذي عرَّف بأبجدية (89) لغة قديمة في كتابه "شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام"، ولكنه لم ينقل نصوصها بالطبع لاستحالة ذلك على فرد واحد، وحتى لو نقل الموجود منها فقد ضاع منها الكثير طيلة هذه القرون.
-ونقلُ العلوم والآداب شفاهًا فمًا لأذنٍ قبل التدوين حفظ كثيرًا من العلوم ولكن ضاع كثير أيضًا؛ لأنه كان قائمًا على نقل ما يحضر في خاطر الناقل، وحسب اهتمام المنقول إليه وميوله، وحسب مواقف استدعائه، وحسب العصبية القبيلة خاصة في الشعر، فسقط الكثير منها، والدليل على ذلك دواوين الشعراء الذين لم يصلنا لهم ديوان، وعمل المحققون على جمع شعرهم المتفرق في المصادر في ديوان. 
-والانتقال من مرحلة الشفاهي إلى كتابة الكتب ونسخها في المخطوطات، حفظ لنا الكثير من المعارف، ولكن الكثير منها أيضًا ضاع بسبب موت كثير من الذين يحملون العلم في صدورهم قبل التدوين عنهم، ومما ضاع في هذه المرحلة خُطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي لا نعرف عنها شيئًا.
 - والانتقال إلى النسخ الخطية حفظ كثيرًا من العلوم، وضاع كثير منها لعدة أسباب: منها تعرض النسخ للبِلَى والاحتراق والرطوبة والأَرَضَة والبَلَل، وإغراق الغازين كما فعل المغول في العراق. ومنها سبب آخر لم أجد أحدًا أشار إليه وهو أن العالم وهو يكتب كتبه وينقل علمه من الصدور إلى السطور كان لا يدون الواضح المشاع علميًّا في جيله، فأتت أجيال تجهل ما كان معروفًا شائعًا عند من سبقهم؛ فضاع بذلك علم كثير، وأوضح دليل على ذلك كتب البلدان والمعاجم حين تذكر مكانًا فتقول: "وهو موضع معروف"، أو: "وهو موضع مشهور". ونحن الآن لا نعرف هذا المعروف المشهور عندهم.
   ومنها أن بعض العلماء أثناء كتابتهم لعلومهم ونقلها من صدورهم لسطورهم ربما يستشعرون ضعف همم طلاب العلم فيسكتون عن علوم ومعارف كثيرة؛ لضعف الهمم عن الأخذ بها، من ذلك قول ياقوت الحموي (ت626هـ) في معجم البلدان: "وقد التمس مني الطلاب اختصار هذا الكتاب مرارًا فأبيتُ ولم أجد لي على قِصَر هممهم أولياءً ولا أنصارًا، فما انقدتُ لهم ولا ارعويت". وإن كان ياقوتًا لم يستجب للهمم القاصرة، وصمَّم على تدوين كل ما في خاطره مما يتصل بموضوع كتابه، فإن موقف السيوطي (ت911هـ) كان غير ذلك؛ حيث قال في مقدمة كتابه "الدر المنثور في التفسير بالمأثور" :"فقد ألَّفت كتاب ترجمان القرآن وهو التفسير المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين، وتم بحمد الله تعالى في مجلدات وكان ما أوردته فيه من الآثار بأسانيد الكتب المخرج منها واردات، رأيت قصور أكثر الهمم عن تحصيله ورغبتهم في الاقتصار على متون الأحاديث دون الإسناد وتطويله، فلخصت منه هذا المختصر، مقتصرًا على متن الأثر". وقد ضاع ترجمان القرآن وضاع معه ما نقله من كتب تفسير ضاعت أيضًا.
 -والانتقال من النسخ الخطية إلى الكتب المطبوعة وتطور ذلك إلى الطباعة الورقية الحديثة المحققة المدروسة أحيا كثيرًا من الكتب المخطوطة، ولكنه مرهون بنوع العلوم، فعلم الحديث -تقريبًا- أكثر الكتب عنايةً، يليه الأدب ثم اللغة ثم الفقه، وأقلها عناية العلوم التطبيقية كالفلك والحساب والكيمياء والطب؛ لقلة من يجمع بين علوم التراث والعلوم التطبيقية الحديثة معًا، ولقلة من يعتني من متخصصي العلوم الحديثة بتلك العلوم القديمة؛ حيث يرونها مجرد مرحلة تاريخية تجاوزها الزمن، ولقلة دور النشر التي تحرص على نشرها، غير أن عدة مراكز علمية حكومية في عدة بلدان عربية تبنت بعث كتب هذه العلوم، ولها في ذلك جهود مشكورة.
  -والانتقال من الشكل المطبوع إلى الشكل الإلكتروني سهَّل تداول الكتب، ولكن أصبح اعتماد طلبة العلم على ما يتوافر على الإنترنت والوسائل المشابهة، وربما يغفلون ما يحتاج إلى زيارة مكتبة أو مراسلة جهةٍ، فيضيع بذلك ذكر كتب عدة، ويطويها النسيان وتخرج من التداول العلمي إلى حين، خاصةً الكتب غير العمدة في بابها والكتب المتأخرة، وربما تبلى نسخها المطبوعة قديمًا ولا يعاد طباعتها لموت مؤلفها وغلق الدار التي نشرتها، وعدم اهتمام الورثة بإعادة طباعتها، فيسقط ذكرها، والمثال على ذلك ضياع كثير من مؤلفات منسوبي دار العلوم منذ نشأتها.
التراث المسموع: مثل الخطب المنبرية على مدار التاريخ الإسلامي؛ فقد حُرمنا من سماعها وإن وصلنا كثيرٌ منها مكتوبًا فالكتابة لا توصل حرارة إلقائها، مثل مواعظ ابن الجوزي (هـ597هـ) المؤثرة، التي كان يحضرها الآلاف، وتأثروا بها لدرجة أن أسلم على يده عشرون ألفًا، وتاب على يده مائة ألف، ومثل ألحان الأغاني العربية على مر التاريخ التي شدا بها المغنون مثل معبد ودنانير وسلَّامة، وزرياب في الأندلس، فنحن لا نستطيع الآن معرفة هذه الألحان لأنها لم تسجل، ورغم أن أبا الفرج الأصبهاني (ت356هـ) في كتابه "الأغاني" ذكر وصفًا لبعض الألحان، غير أنه لا يمكن إعادة تكوينها مرة أخرى الآن؛ لعدم فهم رموزه، وكذلك الموشحات الأندلسية التي لا نعرف حتى الآن طريقة غنائها بأوزانها التي تختلف ربما في البيت الواحد.
   ولما استطاع الفرنسي "إدوارد ليون سكوت دو مارتنفيل" تسجيل الأصوات بجهاز الفونوتوغراف عام 1852م، و"توماس أديسون" بآلة الفونوغراف عام 1877م، وتطوراتها اللاحقة، استطعنا أن نسمع تلاوة الحرم المكي عام 1885م على يد المستشرق المسلم "كريستيان سنوك"، ثم تسجيل السلام الخديوي المصري وبعض الأغاني بصوت المطربة السورية ملكة سرور، عام 1893م في تركيا بواسطة البروفيسور بجامعة هارفارد "بنيامين جيلمان"، وتسجيل غنائي حجازي عام 1906م، وتسجيل تلاوة الشيخ محمد رفعت عام 1918م تقريبًا، وطبعًا ضاع كل ما سبق هذه المرحلة من تراث مسموع ولم يحفظ. 
   ثم ظهر التسجيل على الشريط المغناطيسي عام 1945م، وضاعت تسجيلات المرحلة السابقة؛ بسبب عدم نقلها على الأشرطة المغناطيسية، وضعف المواد التي تصنع منها الأسطوانات، وصعوبة الحصول على الفونوجراف وغيره من آلات تشغيل لتوقف مصانعه.
 ثم ظهر التسجيل الإلكتروني على القرص المضغوط وأهملت تسجيلات المرحلة السابقة حتى ضاع كثير منها، ثم ظهر اليوتيوب وهو الذي حافظ على ما بقي من إنتاج المراحل السابقة؛ حيث يمكننا الأن أن نسمع عليه كثيرًا مما حُفظ من التسجيلات القديمة بأوعيتها المختلفة. 
التراث المرئي: ويشمل الزخرفات الإنشائية، واللوحات المرسومة، ولوحات الخط العربي، والفنون المسرحية، والفلكلور الشعبي، والتراث الزخرفي هو أكثرهم حظًّا في الخلود، وقد استطاع الغرب تخليد لوحات فنانيه، بينما في الشرق -نظرًا لتحريم التصوير- وصلتنا لوحات قليلة لفنانين إسلاميين، لكنها لم تكن لوحات مستقلة، بل كانت توضيحية في بعض الكتب؛ مثل الرسومات في كتاب "صور الكواكب الثابتة" لأبي عبد الرحمن الصوفي (ت400هـ)، والرسومات في إحدى مخطوطات كتاب "عجائب المخلوقات" للقزويني (ت682هـ)، والرسومات في مخطوطة كتاب "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار" لابن فضل الله العمري (ت749هـ)، ورسومات يحيى بن محمود الواسطي على "مقامات الحريري"، وبعض نماذج أخرى مكتشفة في منطقة الفسطاط بمصر، ذكرها "جوناثان بلوم" في كتابه" تاريخ الورق" (ص304)، وبالنسبة للخط العربي كان نادرًا ما تكتب لوحة مستقلة في بداية مخطوطة أو في آخرها، وكانت تظهر في كتابة المصاحف والكتب والكتابة على جدران المساجد بخط حسن وزخرفة جميلة.
   والفنون المسرحية لم تدخل العالم العربي إلا في عهد نابليون في منزل كريم بك في بولاق في مصر، وأول مسرحيتين هما الطحانون، وزايس وفلكلور أو بونابرت في القاهرة، ثم نقل مارون النقاش التجربة إلى لبنان فقدم مسرحية البخيل في منزله عام 1847م، ثم مسرحية هارون الرشيد، ثم أبو خليل القباني الذي قدم مسرحية ناكر الجميل وعايدة، وبدأ التسجيل التلفزيوني للمسرح منذ عام 1960م، بمسرحية "يا تلحقونا"، وضاع ما قبل ذلك التاريخ من مسرحيات، لعدم تصويرها، ورغم حرص يوسف وهبه وعادل خيري على إعادة تمثيل مسرحياتهم القديمة وتسجيلها بالوعاء التلفزيوني الجديد؛ ليحفظا جهدهما من الضياع، فإن تسجيلاتها أيضًا ضاعت؛ بسبب الإهمال، كما أن الانتقال إلى السينما أضاع مكانة كثير من الممثلين الذين كانوا رائعين مسرحيًّا، ولكن بانتقالهم إلى وعاء السينما فقدوا مكانتهم. 
   والفلكلور الشعبي من غناء ومدائح لم يُسجل إلا مع حرص كليات الآداب على تدريسه، وتكليف الطلاب بتسجيل مناسبات شعبية في قراهم كتكليف عملي، وبعض البرامج التي قام بها زكريا الحجاوي لتخليد التراث الشعبي، وحرص عبد الرحمن الأبنودي على توثيق السيرة الهلالية كتابةً وتسجيلًا فحفظ لنا النص برواياته وطريقة إلقاء رواته.
   وهكذا كان الوعاء حافظًا لبعض التراث المكتوب والمسموع والمرئي، ولكنه لم يمنع من ضياع الكثير، والله أعلم ما الوعاء القادم، وما الذي سيحفظه وما الذي سيضيع، في ظل الذكاء الاصطناعي.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا