حينما تختزل ثروة بلاد الرافدين في "سوء إدارة" على مسمع الدنيا
حينما تختزل ثروة بلاد الرافدين في "سوء إدارة" على مسمع الدنيا
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
شهد مؤتمر شرم الشيخ لحظةً كاشفةً لاذعةً، اختزلت ألم الواقع العراقي في عبارةٍ قاسيةٍ نطق بها دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، وهو يمر على الدول المشاركة بلسان الثناء والتجاوز، إلى أن ارتطم بذكر العراق. كانت كلماته كالصقيع، لاذعة ببرودتها وجارحة بصدقها، إذ قال عن بلاد الرافدين: "حاضرٌ أيضًا هنا العراق، هذا البلد الغني بالنفط… الذي لا يعرف كيف يدير نفطه، أو كيف يتعامل مع خيرات نفطه." إن وقع هذه العبارة لم يكن مجرد نقد عابر، بل كان اعترافاً دولياً صريحاً، على مسمع رئيس الوزراء العراقي نفسه، بأن صورة العراق العظيم، بلد الحضارة والتاريخ والخير، قد تجردت في الأذهان العالمية لتصبح مجرد نموذج لسوء الإدارة المالية.
وهنا يكمن الجرح الأعمق: كيف يمكن للطبقة السياسية التي تتبجح بالمنجزات في الداخل أن تصمد أمام هذا التقييم الدولي الصارم؟ وكيف تُبلى الدبلوماسية العراقية وهي تُحمل عبء الدفاع عن دولةٍ تصنف باستمرار في ذيل قوائم النزاهة؟ إن العبارة الترامبية، رغم قسوتها، هي إدانة مباشرة لسنوات من المحاصصة وهدر المال العام الذي أوجد بيئةً خصبةً للفساد، وهو النظام الذي أُسس على أنقاض الغزو الذي قادت الولايات المتحدة لواءه عام 2003. فكأن صانع الفوضى يأتي اليوم لينتقد بشدة نتاج يده، متجاهلاً دوره الأصيل في تفكيك بنية الدولة التي أورثتها هذا الوهن الإداري. هذا التناقض يضع العراقيين أمام حقيقةٍ مؤلمة: أنَّ ما يُروَّج له من منجزاتٍ داخليةٍ لا يعدو كونه خطاباً موجهاً للاستهلاك المحلي، محاولةً بائسةً لإقناع الشعب بما ترفضه الأرقام والمؤشرات الدولية.
إنّ الرسالة الموجهة للعراقيين باتت واضحةً وقاسيةً: إن ثروة البلاد لم تعد ورقة قوةٍ أو عامل احترامٍ، بل تحولت إلى عبءٍ يوصم الدولة بالتبعية والفشل في الاستغلال. وعندما يرى قادة العالم أن مئات المليارات تُصرف دون أن تُحدث تغييراً جوهرياً في حياة المواطن العادي، فإنهم لا يجدون غضاضةً في اختزال إرث العراق كله في عبارة بسيطة: "بلدٌ غني، لا يُحسن الإدارة." إن على العراقيين أن يدركوا أن حجمهم الحقيقي ومكانتهم الدولية لا تحددها الخطابات البلاغية للقادة، بل تحددها كفاءة إدارتهم لذاتهم، واليوم، تقف بلاد الرافدين عند مفترق طرق، بين الحقيقة المرة التي نطق بها دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، على الملأ، وبين ضرورة التحرر من قبضة النظام الذي أفرز هذا الهوان الدولي.
التعليقات الأخيرة