صابر جمعه سكر يكتب
الحارث إدريس... حين نطق صوت السودان في وجه العدوان
في زمنٍ أصبحت فيه البيانات الدبلوماسية تُقال ببرودٍ يشبه الصمت، خرج من قاعة مجلس الأمن صوت سوداني مختلف.
السفير الحارث إدريس، مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، كسر القوالب الرسمية وتحدث بلغةٍ صريحة لا تعرف التجميل، مؤكداً أن ما يجري في السودان ليس حرباً أهلية، بل عدوان خارجي مكتمل الأركان.
كلمات اختصرت حكاية وطنٍ يُراد له أن يُمزق، وعرّت الرواية الدولية التي تحاول توصيف المأساة على أنها صراع داخلي. لقد نطق إدريس بما يخشاه الآخرون: أن الخراب في السودان مشروعٌ إقليمي له ممولوه وأدواته وحدوده الواضحة.
الإمارات... الوسيط الذي تورّط
لم يعد خافياً الدور الذي تلعبه الإمارات العربية المتحدة في إشعال نيران الصراع السوداني.
بينما تتحدث أبوظبي عن "وساطة إنسانية"، تشير التقارير الدولية، من وول ستريت جورنال وذا غارديان، إلى تمويل وتسليحٍ منظم لمليشيا "الدعم السريع"، عبر مسارات تمرّ بليبيا وبتنسيق مباشر مع اللواء خليفة حفتر.
الرسالة التي أطلقها إدريس من على منبر الأمم المتحدة كانت قاطعة: من أشعل النار لا يمكنه أن يكون من يطفئها.
لم تعد الإمارات وسيطاً بل طرفاً متورطاً يسعى لترسيخ نفوذ اقتصادي وعسكري على ضفاف البحر الأحمر، وتحويل السودان إلى منطقة نفوذ ضمن خرائطها الجديدة في القرن الإفريقي.
إثيوبيا وإسرائيل... حضورٌ في الظل
بعيداً عن العناوين العريضة، تتحرك قوى أخرى في الخفاء.
إثيوبيا، المنهمكة بمشروع سد النهضة، ترى في استمرار الحرب وسيلة لإضعاف الخرطوم وإبعادها عن أي تنسيق مصري سوداني يمكن أن يهدد مشروعها المائي.
أما إسرائيل، فتسعى من البوابة الأمنية والاقتصادية إلى تكريس وجودها في البحر الأحمر، وفتح ممر استراتيجي في القرن الإفريقي تحت غطاء "التعاون اللوجستي".
الاثنان يجتمعان على مصلحةٍ واحدة: سودان ضعيف وممزق يسهل ابتلاعه جغرافياً وسياسياً، بينما يبقى الشعب وحده في مواجهة العاصفة.
حين تتكلم الدبلوماسية بلسان الوطن
ت
لم يكن خطاب الحارث إدريس مجرد دفاعٍ عن حكومة أو مؤسسة، بل مرافعة وطنية باسم السودان كله.
لقد أعاد تعريف الدبلوماسية بوصفها فعلاً من أفعال المقاومة، لا أداة بروتوكولية تكرر بيانات الآخرين.
في لحظةٍ يختفي فيها الصوت العربي خلف حسابات المصالح، جاء صوته صريحاً ووطنياً وواثقاً.
قال ما لا يُقال عادة في أروقة الأمم المتحدة، ليذكر العالم أن السودان، رغم الجراح، ما زال قادراً على أن ينطق باسمه لا باسم الآخرين.
كلمة للتاريخ
حين قال السفير إدريس كلمته، لم يكن يقرأ من ورقةٍ رسمية؛ كان يتحدث من قلب وطنٍ يُقاوم الحصار والخذلان.
كلمته كانت جرس إنذار في وجه التواطؤ الدولي والإقليمي، وتذكيراً بأن السودان ليس ساحة مفتوحة بلا صاحب.
هذه ليست حرباً أهلية، بل عدوان خارجي يستهدف السودان في وجوده ذاته.
كلمة سيسجلها التاريخ، لا لأنها غيّرت موازين القوى، بل لأنها أعادت شيئاً أهم: كرامة الموقف.
وفي زمنٍ تُشترى فيه الولاءات وتُباع فيه القضايا، يصبح قول الحقيقة عملاً من أعمال البطولة.
التعليقات الأخيرة