news-details
مقالات

«لامعان الحضارة.. وولادة أفق جديد لمصر»

«لامعان الحضارة.. وولادة أفق جديد لمصر»


باسم هبة هيكل

اليوم، في فجر فصل جديد من تاريخ مصر، يشقّ عند أعتاب الهضبة الغربية بـمتحف مصر الكبير (GEM) في الجيزة ضوءٌ متوهّج، ليس فقط في قلب العاصمة، بل في وجدان الأمة بأكملها. فهذه اللحظة – الافتتاح الرسمي الذي طال ترقّبه – ليست مجرد حدث ثقافي أو سياحي، بل تتجاوز ذلك لتصبح علامة فارقة في المسيرة الدينية، الاقتصادية، الوطنية، وحتى الروحية لمصر والمصريين.

أولاً: البعد التاريخي والديني – إرث خالد وروابط سماوية

إنّ متحف مصر الكبير ليس مجرّد مبنى يعرض تماثيل وآثارًا، بل هو مَجمع حضاري وديني، حيث يتجلّى امتداد الأديان، وتداخل الحضارات، وترابط الإنسان المعاصر بمخاضات الزمن البعيد.

إنّ عرض كنوز الملك الصغير توت عنخ آمون معًا، للمرة الأولى، يشكّل فرصة نادرة ليس فقط لمن يسعى لاستكشاف التاريخ، بل لمن يبحث عن معنى ما وراء المادة: عن قيمة الخلود، عن فكرة البعث، عن آفة النسيان والعناية بالتراث. 

من منظور ديني، يمكننا القول إن هذا التوجّه إلى ترميم وإظهار حضارة ضاربة في القدم، هو احتفاء بما يمكن أن نُسميه “عهد الفكر الإنساني” الذي تجاوز حدود الزمان والمكان. فكما في الكتب الدينية – لكلِّ آثارٍ خلفيةٍ وحكمة – كذلك في هذا المتحف دعوةٌ للتأمّل في قدرة الإنسان على الإبداع، وفي أثر الزمن على الوجود.

كما أن موقع المتحف، على مقربة من أهرامات الجيزة، يوحي بأن الطبيعة والمستوى الإلهي (السماء والنجم) والحضارة والبشر تجتمع في مكان واحد. هذه العلاقة بين الأرض والسماء تُعيد فينا احترام المكان كمنفذ للروح والعقل معاً.

وبهذا، فالمتحف لا يُقدّم فقط “كنوزًا” للعرض، بل يُرسل رسالة: “نحن نحترم تاريخنا، نحن نحفظ تراثنا، ونحن نؤمن بأن الإنسان مهما تطوّر لا يزال متّصلاً بجذوره”.

ثانياً: البعد السياحي – انفجار الزوّار وانطلاقة جديدة للصورة العالمية

من خلال الاطّلاع على الأرقام والتوقعات، يتضح أننا اليوم أمام “قفزة” نوعية في حركة السياحة المصرية:

بين يناير وسبتمبر هذا العام، استقبلت مصر نحو 15 مليون زائر، بزيادة قدرها 21% عن نفس الفترة من العام الماضي. 

ويُتوقع أن يرتفع عدد الزوار إلى نحو 18 مليون بحلول نهاية العام بعد افتتاح المتحف. 

الشركات السياحية تُشير إلى أن الفنادق قرب الجيزة محجوزة بالكامل تقريبًا، والحجوزات تتدفّق من كافة القارات. 

ولعلّ أهم ما يميّز هذا الحراك هو أن المتحف أصبح وجهة سياحية ذاتيّة وليس فقط “إضافة” إلى زيارة الأهرامات. إذ الزائر لن يأتي لمجرد التصوير أمام أبو الهول أو الأهرامات، بل سيأتي ليعيش تجربة موسوعية في حضارة مصر، في عرض شامل، في متحف بالمعنى العالمي للكلمة.

من هبه هيكل أقول: إنّ الفرصة الآن أمام مصر أن تُعيد رسم صورتها أمام العالم – ليست فقط كـ “قاصدة سياحة شمس ورمال”، بل كـ “مركز حضارة وإنسان” يستحق طويلاً من التوقف والتأمل.

ثالثاً: البعد الاقتصادي – دفعة للاقتصاد الوطني واستثمار في المستقبل

ليس الأمر مجرد أرقام سياحية، بل عائد اقتصادي حقيقي يُؤسّس لطريق جديد:

السياحة تُساهم بنحو 8.5% من الناتج المحلي المصري، وتوفّر حوالي 2.7 مليون وظيفة. 

فتح المتحف عند هذا التوقيت – بعد جائحة كورونا، بعد تباطؤ اقتصادي، وبعد أن شُكّلت مصر نفسها كوجهة آمنة ومستقرة – يعني أن التدفقات المالية ستتفجّر من جديد: حجوزات، إقامات، مطاعم، متاجر تذكارات، خدمات سياحية مرافقة.

إضافة إلى ذلك، فإنّ وجود مركز ترميم دولي داخل المتحف (كما ورد) يُتيح فرص عمل مهنية متخصّصة، ويستقطب علماء وخبراء من الخارج، ويخلق “صناعة ترميم” يمكن تصديرها أو نقلها. 

من منظور استراتيجي، هذا المتحف يُعدّ “استثماراً طويل الأمد” في رأس المال الثقافي لمصر، وهو ما يعني أن العائد ليس بالضرورة فوريًا فقط، بل مستدامًا عبر عقود، يُغذّي الاقتصاد الوطني، ويخلق قيمة مضافة تفوق مجرد دفعات السياحة اللحظية.

وبكلام صريح: إنّ افتتاح المتحف اليوم يُعدّ “صفقة رابحة للعاملين في الاقتصاد المصري” – من المرشد السياحي إلى النادل في فندق الجيزة، ومن الفنان في متحف الأطفال إلى مطوّر التطبيقات التفاعلية في المتحف – الكل مستفيد.

رابعاً: الأثر المجتمعي والوطني – وحدتنا عبر التاريخ ورمز الأمل

من هذا المنطلق، لا أرى المتحف فقط كمركز عرض، بل كمِرآة لنا نحن المصريين:

إنه يعيد لنا الاعتزاز بأننا ورثة حضارة عظيمة، تكلّم عنها العالم، ويُمكّنك من قول “نحن أصحاب حضارة”.

في زمن تتقاطع فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يأتي افتتاح هذا المتحف كي يكون رمزًا للوحدة – لأن الحضارة لا تُقسّم، والحضارة جامعة، والعقل البشري الممتدّ عبر القرون مشترك.

إنّ إضافة البعد الديني/الروحي (كما أشرتُ سابقًا) إلى البعد التاريخي تجعل من المتحف ليس فقط “مكانًا للزيارة”، بل “مكانًا للعودة” – إلى الذات، وإلى المعنى، وإلى التوازن بين المادة والروح.

في هذا السياق، يمكننا القول إن افتتاح “المتحف المصري الكبير” اليوم هو خطوة علاجية لجرح النسيان: نسيانٌ عانيناه لزمن طويل عندما ظنّنا أن حضارتنا مجرد قصة تُروى في كتب التاريخ… اليوم نحتفي بها في صرح حيّ.

“هذا الافتتاح ليس مجرد حدث ثقافي؛ بل صرخة وعي، ونداء لأن ننظر إلى ماضينا بعين المستقبل، لا بعين الحنين فقط.”

سيحافظ ذلك على الطاقة القوية في النص دون أن يبدو المقال “دعائيًا” أو شخصيًا أكثر من اللازم.

ختام
اليوم، وهيبة هبة هيكل أرفع القلم، أقول: في هذا اليوم العظيم يلتقي الفخر بالمسؤولية، ويجتمع الإرث بالإمكانية، ويُفتح باب ليس فقط للزوار من شتى بقاع الأرض، بل لأجيال مصرية تقول: «ها نحن نبدأ».
فلتسمع الدنيا ضجيجنا: إنّ مصر تستيقظ، إنّ حضارتها تُطلّ، وإنّ مستقبلها يُكتب اليوم برمز الذهب والجرانيت والعزم.
افتتاحٌ ليس “وقتًا للزيارة”، بل “وقتٌ للانطلاق”.

البوم الصور

News photo
News photo
News photo
News photo
News photo
News photo
News photo
News photo
News photo
News photo
News photo
News photo

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا