النزاهة ثمنها الباهظ: واجب المجتمع العراقي تجاه نموذج شروق العبايجي
النزاهة ثمنها الباهظ: واجب المجتمع العراقي تجاه نموذج شروق العبايجي
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
يواجه المشهد السياسي العراقي اليوم تحدياً وجودياً لا يتعلق بالأسماء أو الأحزاب، بل يتعلق بالضمير والبوصلة: كيف يمكن للنخبة النزيهة والمؤهلة أن تصل إلى سدة القرار في ظل نظام يقوم على المحاصصة والمال الملوث؟ ولتوضيح هذه المعضلة، لا يوجد دليل أوضح من نموذج المهندسة شروق العبايجي، الشخصية التي مثلت لسنوات عديدة "الرؤية المدنية المستقلة"، امتداداً لإرث أسرتها الكريمة في النضال من أجل عراق مدني ومهني.
خلافاً للعديد من الشخصيات التي انخرطت في العمل السياسي بعد 2003 وحصدت الثروات والعقارات، فإن السيدة العبايجي هي البرهان الحي على أن النزاهة ممكنة. هذه ليست مجرد شعارات، بل وقائع صارخة: إن هذه السيدة، وإلى اليوم، لا تمتلك منزلاً خاصاً وتعيش في منزل مستأجر بصعوبة بالغة، رغم سنوات عملها العام. هذه الحقيقة ليست دعوة للشفقة، بل هي بيان واضح على ثمن النزاهة ورفضها المطلق للانخراط في منظومة الفساد، بينما ينعم الآخرون بالقصور من أموال الشعب. هذه التضحية هي ما جعلها شخصية عصيّة على التسيير والابتزاز، وولاؤها الوحيد هو للعراق والمشروع الوطني الخالص.
إن هذا النموذج، رغم نبل طموحاته، يصطدم بواقع مرير: الأدوات الأساسية للوصول السياسي (المال والسلطة) محظورة عليه. فالنظام القانوني والمالي في العراق مصمم ليخدم الكتل الكبرى ومرشحي السلطة والفساد، مما يجعل وصول نخب بهذا القدر من النزاهة شبه مستحيل دون قوة داعمة.
هنا يبرز الواجب الأخلاقي والمجتمعي للشعب العراقي. إننا لا ندعو المجتمع إلى التبرع بالمال، بقدر ما ندعوه إلى التبرع بالثقة والدعم المعنوي والإسناد الكامل لهذه الشخصية ولأمثالها من الرجال والنساء النزيهين.
إن الإسناد الكامل دون قيد أو شرط هو الأداة المفقودة التي يجب أن يوفرها الجمهور:
هو كسر للعزلة: لكي تشعر النخبة النزيهة أن المجتمع بأكمله هو غطاؤها الحامي وسلاحها ضد الإحباط.
هو بناء للقوة البديلة: لكي نُحوّل هذه النزاهة والصدق (التي ورثتها السيدة العبايجي عن نضال أسرتها) إلى سلطة شعبية لا يمكن للفساد أن يتجاهلها.
هو توجيه للصوت الانتخابي: يجب أن يتحول هذا الإسناد المعنوي إلى قوة تصويت مُنظَّمة ومُرَكَّزة لضمان وصولها وتجاوز القيود القانونية.
إن الفشل في إسناد نموذج شروق العبايجي، التي تمثل الرؤية العراقية الحقيقية الطامحة للارتقاء، هو اعتراف ضمني بأن المال الفاسد سيبقى هو سيد الموقف. اليوم، النزاهة هي مشروعنا الوطني الوحيد؛ فلندعم هذه النخبة النادرة ولنثبت أن صوت العراقيين أقوى من كل صناديق المال الملوث.
التعليقات الأخيرة