news-details
مقالات

بقلم نشوة أبو الوفا  "اجرام وارتواء" الفصل الأول

بقلم نشوة أبو الوفا 
"اجرام وارتواء"
الفصل الأول


استيقظت نادية من نومها كعادتها كل يوم وتوجهت لعملها حيث تعمل مدبرة منزل لدى رجل الأعمال نجيب عامر، صاحب مصانع العامر لتجارة الحديد والصلب، أحد أهم أقطاب الصناعة في البلد، وزوجته السيدة نادرة الحسيني ابنة المرحوم الحسيني صابر، وابنتهما الجميلة تولين التي تشارك والدها في إدارة مصانعه ومجموعة شركاته، فهي تباشر عملها  لديهم دائمًا في السادسة لتوقظ تولين لتمارس رياضتها قبل الذهاب مع والدها للشركة، فتولين محبة لعملها دؤوبة فيه ولا تلتفت للسهر أو الحفلات كما يفعل أقرانها، بل تهتم بالعمل والعمل فقط، حتى أن أقرانها وخاصة ابن عمها الوحيد ناجي يطلقون عليها المرأة الحديدية.
ألقت نادية التحية على شاكر البواب ودلفت للفيلا ودخلت متوجة مباشرة لغرفة تولين، لتجد باب الغرفة مفتوح على غير العادة وما أن وقفت أمام الباب حتى هالها ما رأت وجادت حنجرتها بالصراخ وهرعت لغرفة السيد نجيب لتجد ما هالها أكثر وزاد صراخها، بينما شاكر يروي الزهور بالحديقة سمع الصراخ فهرع لمصدر الصوت من الباب الزجاجي الذي يفصل الحديقة عن الفيلا ووجده مفتوحًا 
ليجد نادية تبكي وتصرخ وتلطم خديها 
"يا لهوي يا لهوي، لا حول ولا قوة إلا بالله، كلهم، راحوا في شربة مياه كلهم"
فتح شاكر عيناه على اتساعهما "إنتي بتخرفي بإيه على الصبح؟!"
وتقدم ناحية الغرف، فارتعب مما شاهد وارتد للخلف، وبسرعة قام بإبلاغ الشرطة، بعد فترة قصيرة رن جرس الفيلا
 ونزل شاكر ليفتح 
"أنا النقيب رماح يا ابني وسع"
دخل النقيب رماح يتبعه النقيب محسن 
"مين اللي بلغ؟"
"أنا يا بيه"
"إيه اللي حصل بقى؟"
"يا بيه أنا لقيت ناديه بتصوت، جيت جري، لقيت البيه والهانم سايحين في دمهم، كلمتكم على طول"
"ما لمستش حاجه ولا غيرت مكان حاجه"
"لا يا بيه أبدًا"
صعد رماح للأعلى حيث تجلس نادية على السلم في حال يرثى لها 
"إنتي اللي اكتشفتي الحادثه؟"
"أيوه"
"إزاي؟"
كفكفت دموعها وسحبت نفسًا عميقًا لتستطيع الحديث 
"جيت زي كل يوم اصحي تولين لقيت الباب مفتوح ولقيت المنظر قدامي، جريت على أوضه البيه لقيتهم هم كمان كده"
"حركتيهم أو لعبتي في أي حاجه؟"
هزت رأسها نافية 
هاتف رماح القسم 
"اخلص يا ابني ابعت الطب الشرعي، الحكايه كبيره"
دخل رماح لغرفة تولين ليجدها ممددة على السرير، لكنها عارية تمامًا والملابس ملقاة على الأرض ممزقة، والدماء ترسم لوحة حزينة على السرير على شرف 
قد اغتصب اغتصابًا وجزءٌ كبير من جسدها تغزوه عدة كدمات، أمسك بملاءة من الدولاب ليغطي جسدها حتى وصول الطب الشرعي، وبينما هو يغطيها، سمع أنة مكتومة ليقترب منها ويجد أنها تتنفس ببطء فصرخ 
"بسرعه يا محسن الاسعاف، البت فيها النفس"
هرعت نادية على كلمته لتولين 
"تولي حبيبتي، يا ما أنت كريم يا رب" وكانت تريد احتضانها، منعها رماح
"لا مش عاوزين نبوظ الأدله"
صرخت نادية "أدله أيه وزفت إيه؟ دي زي بنتي، شايف منظرها، اسيبها كده ازاي؟!"
"خلاص خليكي جمبها، هي أصلًا مش داريه بحاجه، على الله الاسعاف تلحقها"
جلست نادية بجوارها تبكي
"عيني يا بنتي عليكي، يا شمعتنا ونوارتنا، يا رب، يا رب جازي اللي عمل كده، إلهي يتحرق في نار جهنم البعيد، ما يوعي يكسب ولا يربح، عملولهم إيه؟ ده البيه والست هانم ما فيش أطيب منهم بشهادة الكل، حسبي الله ونعم الوكيل، هات لهم حقهم يا رب، يا رب انتقم من اللي عمل كده يا رب، هتعيشي لوحدك يا بنتي"
"ده لوعاشت أصلًا!"
"تف من بقك"
"أتف من بقي!"
"معلش يا ابني معلش يا بيه أنا آسفه"
"طب اسكتي خالص بقي صدعتيني"
ألقى نظرة على تولين بملامحها الجميلة برغم تلك العلامات على شفتيها وخدها، ذلك المتوحش كان قاسيًا جدًا معها.
دخل محسن
"ها يا محسن؟"
"الاتنين ميتين، من الواضح أنهم مقتولين وهم نايمين، ما فيش آثار مقاومه نهائي، وضعيه نوم طبيعيه جدًا، كانوا نايمين في حضن بعض من الواضح أنهم أكثر من قاتل لأنهم الاتنين مضروبين في الظهر وأكيد في نفس التوقيت"
حضرت الاسعاف وقاموا بحمل تولين، في اللحظة التي سمع فيها رماح ضوضاء من الأسفل فهبط معهم ليجد شابًا أمامه 
"إنت مين؟"
"إنت اللي مين وبتعملوا إيه في بيت عمي؟"
فلمح تولين على النقالة 
"إيه ده تولي! فيه إيه؟!"
رد رماح ببرود "عمك ومرات عمك اتقتلوا، وبنت عمك زي ما إنت شايف"
"بسرعه بسرعه عشان نلحقها، على المستشفي بتاعتنا"
نظر له رماح شذرًا، فلقد شعر بهالة من عدم الارتياح منذ أن رآه 
نُقلت تولين للمشفى تحت الحراسة وتابع رماح التحقيقات، كاميرات الفيلا كانت معطلة من فترة، القتلة متعددون، بالنسبة لتولين لم يستطع الكشف استخلاص سائل للمغتصب فيبدوا أنه استخدم واقيًا، تحليل الدماء أثبت أنه تم حقنها بمادة مخدرة قوية المفعول وبكمية كبيرة.
استيقظت تولين تحس بآلام شنيعة في جسدها كله، دخل لها الطبيب محمود أحد أطباء المستشفى وأحد أصدقائها 
تساءلت في تيه "فيه إيه يا محمود؟ إيه اللي حصل؟ بابا وماما كويسين، مسكو الكلاب دول"
صمت محمود قليلًا 
"مش عارف أقولك إيه، إيه اللي أنتِ فاكراه؟"
 تدفقت الذكريات تدفقًا "أنا ما كانش جايلي نوم قلت اقرأ كتاب، لقيت واحد متلتم دخل الأوضه جيت أصرخ حط إيده على بُقي و .....
بدأت تبكي "ودخل وراه اتنين، كتموا بقي وهو لزق عليه بلاستر (وانفجرت في البكاء) وقطع هدومي وحاول الكلب يغتصبني، أنا قاومته جامد، بص للاتنين اللي كانوا واقفين مسكوني جامد واداني حقنه، بس ده كل اللي فاكراه"
"للأسف تولين، هو اعتدي عليكي و..."
وضعت يديها على فمها من صدمتها تريد حبس صرخاتها التي تتزاحم في صدرها كبركان يغلي 
"وبابا وماما تعيشي انتي"
 بسماعها تلك الكلمات انفجر البركان، حِممٌ من صراخ قد انطلقت تصم الآذان وانهارت تولين ودخلت في حالة صراخ وبكاء هستيري 
في الوقت الذي وصل فيه رماح فوجدها على هذه الحالة، لا يدري لم رق قلبه لها هكذا! ود لو يحتويها بين ذراعيه ويواسيها، مع أنه قد شاهد الكثير من هذه الحالات المصدومة، لكن لا يدري يحس بشيء خفي يربطه بهذه التولين، سارع لمساعدة محمود لإمساكها حتى حقنها محمود بمهدئ، لبثت قليلًا ثم استكانت بين يديه، ملاك نائم، براءة ملامح وهدوء على وجهها، لا يماثل أبدًا النيران المستعرة بداخلها والتي خمدت حتى حين بفعل المهدئ، غادر رماح لأن حالتها لم تكن تسمح باستجوابها بالطبع ولديه الكثير من العمل والأفكار تتزاحم في عقله، من هم الجناة؟ 
ولم فعلوا فعلتهم؟ ولم تركوها حية ترزق؟ أسئلة كثيرة لا تجد إجابات، جال بخاطره ليتها ماتت بدلًا مما ستقاسيه، وحدة مريعة بعد موت والديها، ولطخة ستلطخ بها رغم عدم كونها قد ارتكبت جريرة ما، لكنه عقم العقول، لكِ الله يا تولين، وغادر مرغمًا وقلبه لديها، روحه تحميها، وأقسم بينه وبين نفسه، لن يتركها وحدها أبدًا، كل تحرياته تثبت أنها نقية السريرة، وفي غاية الاحترام. 
 منع رماح أية زيارات لتولين في المشفى، ومنع أية تسريبات عن تفاصيل الحادثة. 
كان يذهب يوميًا للاطمئنان على حالتها، لكنه في كل يوم كان يجدها نائمة بفعل المهدئات، ما تلبث عند استيقاظها أن تدخل في دوامة من الصراخ الهستيري، والبكاء بصوت يصم الآذان، تصرخ "بابا، ماما، سبتوني ليه؟ الكلاب ليه ما موتونيش؟ ليه عملوا فيا كده؟ ليه قتلوني بالحيا؟ دمروني ليه؟"
بعد ما يقارب من أسبوع على هذه الحال استيقظت تولين
 صامتة بدون أن تصرخ، انتهزت فرصة انشغال إحدى الممرضات واستلت مشرطًا من عربة المستلزمات الطبية، وتصنعت النوم وقررت إنهاء حياتها، فلمن تحيا؟ وقطعت ذلك الوريد، لتنساب دمائها تلطخ بياض السرير، وتهرب من جسدها الذي دنسه الأوغاد، ويشاء الله أن تدخل ممرضة أخرى للاطمئنان عليها كما طلب منها رماح، وتنقذها، ظلت أسبوعًا آخر في نوم متقطع بالعقاقير المهدئة.
  رأت في منامها والدها ووالدتها، في هالة مضيئة، يقتربان منها، تضمها والدتها في حضنها، ويمسك والدها يديها، مقبلًا تلك اليد التي جرحتها، ثم وقفا أمامها وقال والدها "بنت عامر ما تعملش كده أبدًا، بنت عامر ما تعترضش على قضاء ربنا ولا تنكسر قدام ابتلائه، بنت عامر كما الحديد الصلب، في وش أي ابتلاء أو امتحان، لو انكسرتي يا بنتي  يبقى تعب عمري ضاع، تربيتي ما نفعتش، إحنا مش معاكى آه بس ربنا اللي أقوى من الكل معاكي، ربنا أقوى من كل الخلايق وهو أحن عليكي من أي حد، قومي يا  بنتي، اصلبي طولك واقفي في وش الكل"
 وقبلها من جبينها واحتضناها حضنًا جماعيًا أدخلها معهم في هالة النور.
 استيقظت وهي تشعر بسكينة، وهدوء، كانت تبكي فقط، دموعها تنساب على خديها تحفر فيهما آهات الوجع وأنات الفقد، صمتَ الصراخ واختفى وحل الفكر والشرود، تنظر لزجاج نافذتها، تمنت لو أن ما حدث كان كابوسًا بغيضًا، مريعًا، لكنه كان واقعًا داميًا، ملطخًا بدماء والديها، ودماء شرفها الذي أراقوه، هل كانوا رحماء بها حين حقنوها بالمخدر؟ لكي لا تقاسي الآلام، لكن أية رحمة، ليتهم قتلوها، إنها الآن ستقاسي كل الوجع والآهات، وحيدة في الدنيا، بلا سند أو ظهر تلجأ إليه، والدها جبلها الحامي لها، تركوها بلا حضن دافئ ترتمي فيه بعد يوم شاق تكد فيه وتتعب، بلا ملجأ تحتمي منه من الدنيا ونوائبها، يا الله لقد احتواهم التراب، وكان أحن عليهم من بشر نزعت الرحمة من قلوبهم، آه أيها التراب، لماذا لم تقبل بي بين جنباتك وطبقاتك أرفضت أن تضمني؟ رفضت أن تأويني بجوار أحبابي
وحدثت نفسها " تولين عامر زي الحديد الصلب، الضربه تشكله والنار ما تهدوش، وهاقوم وأقف قدام الكل"
#نشوة_أبوالوفا
#nashwa_aboalwafa

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا