news-details
مقالات

حين يعود الضوء من رحم العتمة

حين يعود الضوء من رحم العتمة


بقلم/نشأت البسيوني 

من قلب الليل يولد الفجر ومن أحلك الجراح تنبثق أنقى البدايات

ثمة لحظة لا تشبه سواها حين ينشق الظلام عن خيط نور خجول يعلن للعالم أن النهاية لم تكن نهاية وأن بعد الغياب ثمة عودة تشبه المعجزة
تلك اللحظة التي تنفجر فيها الحياة من جديد كأنها لم تخلق من قبل لحظة ينهض فيها القلب الذي أنهكه الحزن ويستعيد فيه الإنسان صوته بعد صمت طويل
حين يعود الضوء من رحم العتمة يفهم الإنسان أنه لم يكن تائها بل كان الله يعده ليرى بعين أخرى بعين تعرف قيمة النور بعد أن تاهت في العتمة

العتمة ليست دائما عدوا كما نظن فهي المعلم الأول للصبر والاختبار الأصدق للإيمان
هي المرآة التي ترى فيها ضعفك فتعرف كم كنت تحتاج إلى الله أكثر مما كنت تحتاج إلى الناس
في العتمة يهدأ كل شيء من حولك وتبقى أنت وحدك في مواجهة ذاتك بلا أقنعة بلا مجاملة
وهناك فقط في هذا العمق المظلم تبدأ أولى خطوات الشفاء لأنك حين تلامس قاع الانكسار لا يكون أمامك سوى الصعود

حين يعود الضوء لا يأتي دفعة واحدة بل يتسلل برفق كما لو أنه يخاف على عينيك من الوهج بعد طول ظلمة
يأتي ناعما خجولا لكنه حقيقي
يشبه الاعتذار الصادق بعد وجع طويل أو العناق الذي يأتي بعد فراق قاس
يأتي ليمسح بيد من حنان على كل ما أوجعك فيقول لك لقد انتهى الليل يمكنك أن تتنفس الآن

ما أجمل تلك العودة عودة النور بعد طول انطفاء
تفتح نوافذك الموصدة فتدخل نسمة تحمل رائحة الأمل وتسمع صوت الحياة يعود ببطء إلى تفاصيلك المنسية
تستعيد قدرتك على الابتسام على الغفران على الحلم من جديد
وحين تنظر حولك تدرك أن كل شيء تغير لا لأن العالم تغير بل لأنك أنت تغيرت
لقد خرجت من العتمة مختلفا أكثر نضجا أكثر حبا للحياة وأقرب إلى حقيقتك الأولى

العتمة مهما طالت لا تطفئ ضوءا قد كتبه الله في داخلك
قد تخفيه تربكه تثقله بالهم لكنها لا تستطيع أن تقتله
فكل روح خلقت من نور لا يليق بها أن تموت في الظلام
وما الظل إلا غياب لحظة من شمسٍ قادمة وما الحزن إلا عبور نحو نور أعظم
إن الله لا يترك قلبا صدق في صلاته ولا نفسا تعبت في طريقه إلا ورفع عنها الغيم لتعود ترى النور

حين يعود الضوء من رحم العتمة تدرك أن لكل وجع معنى ولكل خسارة حكم
تفهم أن يد الله كانت معك حين ظننت أنك وحيد وأنه كان يكتب لك نجاتك في الوقت الذي كنت تظن فيه أنك تنكسر
تفهم أن النور لا يعطى صدفة بل يمنح لمن مر في العتمة ولم يفقد إيمانه
ولمن بكى ولم ينس أن يرفع عينيه إلى السماء

فلا تخف من الظلام يا صديقي فربما فيه تولد نسختك الأجمل
ولا تلعن الليل فربما في عمقه يتهيأ فجر لم يخلق بعد
كن واثقا أن الضوء سيعود ليس كما كان بل أقوى أصفى وأقرب إلى قلبك من أي وقت مضى
لأن الله لا يغلق بابا إلا ليفتح لك نافذة من نور
ولا يدخل العتمة قلبك إلا ليريك كيف يولد الضوء منها من جديد

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا