news-details
مقالات

مركبٍ خشبيٍّ قديم

مركبٍ خشبيٍّ قديم


#أمجد_فائد_العبسي

كاتب وإعلامي وصحفي وناشط يمني يمني

يا له من مشهدٍ يفتح القلوب قبل العيون.. ها هو النيل العظيم يتهادى بين أحضان القاهرة كشريطٍ من الفضة السائلة، تتناثر عليه أنوار المدينة كحبات اللؤلؤ على حرير أزرق. في الأفق، تلوح مآذن القاهرة الفاطمية وقبابها كحراس أزليين للتاريخ، بينما تنتصب الأبراج الحديثة شواهدَ على زمنٍ يسبقنا بخطوات.

أما أنا، فأطفو هنا على ظهر مركبٍ خشبيٍّ قديم، يتهادى بي بين ضفتي التاريخ. تهمس مياه النيل تحت قدميَّ همسًا أسرارياً، وتحملني أمواجه اللطيفة كحلمٍ بين اليقظة والنسيان. تمرُّ بي قصورٌ شامخة على الضفة، تروي حكايات أزمنة مضت كانت فيها أمتي قائدةً للحضارة.

لكن قلبي لا يشارك عينيّ انبهارهما.. إنما ينزفُ حزنًا كالنيل، لكنه حزن بلا فيضان. ينزفُ على وطنٍ تركه الزمن وراءه، على بلدي اليمن الحزين الذي ما يزال يعيش في خمسينيات القرن الماضي بينما اندفعت البشرية إلى الألفية الثالثة.

تخيّلوا.. هنا حيث أجلس، أناملُ البشر تلمس الشاشات الذكية، هنا تتدفق المعلومات كالنهر الهادر، هنا يحلمون بالسيارات ذاتية القيادة، بينما هناك، لا تزال الطرقات الترابية تتحدى السيارات الأثرية.

أي قدرٍ قاسٍ هذا الذي يجعل شعبًا بأكمله يعيش خارج الزمن؟ أي حظ عاثر جعلنا نراوح مكاننا بينما تتحرك الأرض من حولنا كساعةٍ مجنونة؟

الناس هناك يعيشون بكرامة الأبطال، يبتسمون رغم أنوف المدافع، ويحلمون رغم صلف الواقع. يزرعون في أرضٍ صخرية، ويبنون من أنقاض الحروب، ويغنون لأطفالهم لينسوهم صوت القذائف.

أما أنا، فأطفو هنا على مركب النيل، أحمل قلبًا مثقلاً بأسئلة لا إجابة لها.. لماذا نستحق هذا العزلة عن العالم؟ لماذا يجب أن نكون ظلًا للحضارة بدلاً من أن نكون جزءًا من جسدها؟

ها هي ذي الشمس تبدأ بالغروب، تلوّن مياه النيل بألوانٍ لا نعرفها في سماء اليمن المثقوبة بالطائرات. وأنا هنا، بين جمالٍ ليس لي، وحضارةٍ لم ألمسها إلا كزائرٍ غريب، أتساءل: متى سيكون لنا غدٌ نعيشه، لا نقتات على ذاكرته؟

البوم الصور

News photo

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا