news-details
اشعار وخواطر

حين يخوننا الحنين في منتصف الليل

حين يخوننا الحنين في منتصف الليل


بقلم/نشأت البسيوني 

في منتصف الليل لا يسمع سوى صوت الذاكرة وهي تفتح دفاترها القديمة تقلب الصفحات ببطء وتعيد إلينا ما حاولنا نسيانه
يأتي الليل ثقيلا يطرق الأبواب بخطوات ناعمة
كأنه يعرف متى نكون أضعف
ومتى يكون الحنين أكثر غدرا
في منتصف الليل
تتساقط الأقنعة التي نرتديها في النهار
ويصبح القلب عاريا أمام نفسه
يتذكر دون إذن
ويشتاق دون وعد بالعودة
حين يخوننا الحنين
لا يأتي على استحياء
بل يقتحمنا كعاصفة من الصور والذكريات
وجوه مرت سريعا تعود بوضوح موجع
أصوات كنا نظن أننا نسيناها تهمس من أعماق الصمت
ورائحة الأماكن القديمة تحاصرنا كأن الزمن لم يمضِ أبدا
نغمض أعيننا فلا ننام
بل نغرق أكثر في الذكرى
يا لذلك الحنين كم هو جميل وقاس في آن واحد
يعيدك إلى لحظات كنت فيها بخير كامل
لكنه يذكرك في الوقت نفسه أنك لم تعد كما كنت
يمنحك دفئا لحظيا ثم يتركك أبرد من قبل
إنه الخيانة الأجمل
تلك التي تأتيك من قلبك لا من الآخرين
حين يخوننا الحنين في منتصف الليل
تتسع المسافة بين كان والآن
ويبدو الفرق بينهما فاجعا
تمسك هاتفك
تتصفح أسماء رحلت
تقرأ الرسائل القديمة
تضحك للحظة ثم تنكسر بعدها
تفكر أن تكتب
أن ترسل
لكن شيئا فيك يقول لقد تأخر الوقت
فتعيد الهاتف مكانه
وتترك الوجع يكمل حديثه وحده
في منتصف الليل
لا نحتاج أحدا ليواسينا
بل نحتاج أن نفهم أنفسنا
أن نسامحها لأنها اشتاقت لمن لا يجب أن تشتاق له
أن نخبرها أن الحنين ليس خطيئة
بل دليل على أننا ما زلنا نملك قلبا حيا
قلبا لم يصب بالتبلد بعد
قلبا ما زال يشعر رغم كل ما مر به
حين يخوننا الحنين
نتساءل عن الذين رحلوا
أين صاروا
هل تذكرونا كما نتذكرهم
هل مر بخاطرهم وجهنا كما يمر وجههم بنا كل مساء
لكننا لا نجد إجابة
فنكتفي بالصمت
ونكمل الحوار في داخلنا
يقال إن الليل صديق الشعراء
لكن الحقيقة أنه مأوى المنكسرين
الذين لم يجدوا من ينصت إليهم في وضح النهار
فأصبحوا يحكون لأنفسهم تحت ضوء القمر
في منتصف الليل
كل شيء يبدو أكثر صدقا
الحنين الندم وحتى الدعاء
فالله يسمع أنين القلب حين يغلق العالم أذنيه
حين يخوننا الحنين
ندرك أن بعض الوجوه لم تكن مجرد أشخاص
بل فصولا من حياتنا
انتهت لكنها لا تغادر الكتاب
ندرك أن بعض الأماكن لا نمر بها بأقدامنا
بل بأرواحنا كلما اشتقنا
وأن بعض الذكريات لا تموت
بل تنام فينا وتستيقظ حين يشتد الليل
وفي آخر الوجع
حين يهدأ الحنين من صخبه
تبتسم رغم الدموع
تدرك أنك نجوت
نجوت من تعلقك ومن انتظارك ومن وهمك بأن الماضي يمكن أن يعود
وتتعلم أن الحنين ليس دعوة للرجوع
بل تحية وداع متأخرة
من القلب لما كان جميلا في زمن مضى
فحين يخوننا الحنين في منتصف الليل
نكتشف أننا لا نريد العودة
بل فقط أن نطمئن أن الذكرى ما زالت بخير
أننا ما زلنا قادرين على التذكر دون أن ننكسر
ونهمس لأنفسنا في الظلام
مروا بنا كالحلم
لكنهم تركوا فينا أثرا لا يمحى
كضوء انطفأ وما زال القلب يراه

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا