news-details
اشعار وخواطر

حين صمتت الأرواح ونامت الكلمات

حين صمتت الأرواح ونامت الكلمات


بقلم/نشأت البسيوني 

في تلك الليلة التي تشبه آخر العمر
هدأ كل شي من حولي حتى أنفاسي صارت تسير بخطوات خجولة
الليل لم يكن ليلا فقط بل كان ممرا طويلا من الذكريات
يمتد من القلب حتى أطراف الحنين
ولا ينتهي إلا حيث تبدأ الدموع
كنت أنظر إلى السماء
لكنني لم أر نجوما
رأيت أرواحًا تائهة تسبح في البعد
كأنها تبحث عن شيء فقدته منذ دهور
ربما عن كلمة لم تقال أو وداع لم يحدث كما يجب
العالم كان ساكنا
لكنه لم يكن هادئا
ففي عمق الصمت كانت هناك أصوات كثيرة
أنين قلب لم يسمع
وصدى ضحكة انكسرت في منتصف الطريق
وهمس أمل يحتضر على حافة الذاكرة
حين صمتت الأرواح
أدركت أن الكلام لم يعد مجديا
وأن الكلمات مهما كانت جميلة  لا ترمم ما انكسر في الداخل
هناك وجع لا يشفى بالحروف
وجراح لا تلمس إلا بالصمت
رأيت الأرواح تمشي متعبة
تحمل في ملامحها آثار الحروب الخفية
تبتسم لتخفي الخذلان
وتضحك لتنسي نفسها أنها ما عادت كما كانت
كل روح تخفي حكاية
وحين يجن الليل تخرج تلك الحكايات من الصدور كالعصافير الجريحة
تبحث عن شجرة تأويها ولا تجد
يا صديقي
لقد تعب القلب من الفقد
وتعبت العيون من الانتظار
حتى صارت تنظر إلى الغد بلا فضول
كل ما فينا يريد أن ينام قليلا
أن يستريح من التفكير
أن يترك العالم يدور وحده بلا أسئلة ولا خوف
لكن النوم يا صاحبي لا يزور الأرواح الموجوعة
هي تظل ساهرة
تحرس أوجاعها كأنها أطفالها
وتخاف أن تستيقظ دونها
كأن الحزن صار جزءا من هويتها
كأنها لو شفيت ستفقد نفسها
وفي لحظة غريبة
حين هدأ كل شيء
شعرت أن الكلمات نفسها نامت
لم تعد تأتيني لم تعد تهمس أو تكتب نفسها كما تفعل دائما
ربما سئمت هي الأخرى من أن تكون دواء لا يشفي
فنامت في حضن الصمت
وغطت نفسها بلحاف النسيان
وهناك في آخر هذا الليل المبلل بالحيرة
فهمت أخيرا أن الصمت ليس عجزا
بل لغة أسمى
يقول فيها القلب ما لا تقدر عليه الحروف
فلتصمت الأرواح إذن
ولتنام الكلمات قليلا
لعلنا حين نستيقظ
نجد في أعماقنا نورا جديدا
نبت من بين رماد التعب
ليقول لنا بصوت دافئ وهادئ
لقد انتهى الليل وها هو الفجر يعود

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا