news-details
مقالات

حين تتقدم الروح ويعجز العالم عن اللحاق بها

حين تتقدم الروح ويعجز العالم عن اللحاق بها

بقلم/نشأت البسيوني 

ثمة لحظات في العمر لا تشبه غيرها لحظات يطفئ فيها الإنسان ضوضاء العالم ويسكت كل الأصوات التي تحاول تحديد قيمته ثم يتلفت حوله فلا يجد منافسا حقيقيا سوى تلك النسخة القديمة منه تلك التي يريد أن يتجاوزها بأي ثمن
الإنسان لا يولد قويا ولا يولد كاملا لكنه يولد حاملا شرارة خفيّة شرارة لا تتوهج إلا حين توضع الروح أمام امتحانها الأصعب
وعندها فقط يعرف المرء أن المنافسة ليست صراعا مع الآخرين بل رحلة شاقة يخوضها في أعمق نقطة داخل قلبه
من السهل أن تقهر الناس لكن من العسير أن تقهر ترددك
من السهل أن ترفع صوتك لكن من الصعب أن تسكت خوفك
من السهل أن تزاحم السائرين لكن من الصعب أن تمضي وحدك في طريق لا تعرف نهايته
وهنا تكمن العظمة الحقيقية
فالعالم لا يحتفي بمن ضج صوته بل بمن ضجت خطواته في صمت
ولا يصفق لمن صعد على أكتاف الآخرين بل لمن صعد على جراحه وتنفس الألم كأنه وقود يرفع روحه إلى الأعلى
الناس يتسابقون على ما يراه الجميع،
لكن الأقوياء يتسابقون على ما لا يراه أحد
يتسابقون على انتصار صامت
على دمعة ابتلعتها الكبرياء
على خوف وطأته الإرادة
على طريق لو مشاه غيرهم لانهار في نصفه
وفي هذا العالم المزدحم بالوجوه المتشابهة لا ينجو إلا من امتلك الجرأة ليكون مختلفا
لا من نافس الآخرين بل من نافس ذاته حتى تفوقت عليه
وليس أشد قسوة من تلك اللحظة التي تنظر فيها إلى نفسك وتدرك أنك لست حيث ينبغي أن تكون
وليس أجمل من تلك اللحظة التي تقف فيها فوق جرحك وتقول له بثبات
لن أسمح لك أن تعرقل خطوتي التالية
فالقوة ليست أن تهزم الآخرين
بل أن تهزم خيبتك
أن تهزم خوفك
أن تهزم ذلك الصوت الخبيث الذي يقول لك لن تستطيع
وحين تسكت هذا الصوت
حينها فقط تتقدم الروح وتبدأ الرحلة الحقيقية نحو قمتك الخاصة
إن روعة الإنسان لا تظهر حين تسير الطريق المفروش بل حين تخوض الطريق المتعرج الذي تركه الآخرون خلفهم خوفا
ولا يظهر معدن العظماء حين يتساقط المطر بل حين يشتد العاصف ويعمى البصر
وفي كل مرة تنهض فيها بعد سقوط يزداد العالم حيرة وتزداد روحك حكمة وتزداد خطواتك ثباتا حتى تصل إلى تلك القمّة الهادئة التي لا يعرفها إلا الذين خاضوا معركتهم وحدهم
وفي النهاية
حين يقف الناس حولك يتساءلون من ينافس هذا
ستبتسم لأنك تعرف الحقيقة
أنك لم تكن يوما تنافس أحدا
كنت فقط تتقدم خطوة بعد خطوة
وكان العالم هو الذي يعجز في كل مرة عن اللحاق بروحك

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا