news-details
مقالات

حين يلتهم الظلم آخر أنفاس القلب

حين يلتهم الظلم آخر أنفاس القلب

بقلم ناني عادل 

في أعماق لا يصلها الضوء هناك وجع لا يشبه أي وجع وجع ينمو حين تغتال العدالة ويتكون حين يمد الظلم يده فيسرق من الروح آخر ما تبقى لها من أمان الظلم ليس صفعة على الوجوه فقط بل هو طعنة تسقط الإنسان في هوة لا قاع لها وتتركه يتلمس جراحه وهو يعرف أنها لن تلتئم بسهولة وأن الليل الذي يسكنه سيطول أكثر مما يحتمل


أشد ما في الظلم أنه لا يصيب الجسد بل يصيب الروح والروح إذا انكسرت لا تسمع لها صرخة بل يسمع لها خفوت كأن النور ينطفئ تدريجيا من الداخل


تجد المظلوم يمشي بين الناس بكامل هيئته لكن قلبه ليس معه تركه عند اللحظة التي ظنم فيها هناك عند الوجع الأول عند الكلمة التي هدمت أو الظن الذي قتل أو الخذلان الذي لم يترك له حتى القدرة على البكاء
الظلم يجعل الإنسان يعيش عمرين عمرا يراه الناس وعمرا لا يراه أحد يمتلئ بأنين مكتوم ونزيف بطيء وخيبات تتكاثر في جوانب الصدر كالأشواك


كم من شخص كان يبتسم لكنه كان ينهار كلما انطفأت الأعين من حوله
كم من قلب كان قويا لكن الظلم شقه كحجر يكسر بالمطر


كم من روح دفنت نفسها حية لأنها لم تجد يدا ترفع عنها حطام الأيام
أقسى الظلم هو الذي يأتي من أقرب الناس
من الذين ظننت أنهم ملجأك فإذا بهم يصبحون مصدر خوفك
من الذين حملتهم فوق كتفك فإذا بهم يدوسون على ظلك
ذلك الظلم لا يوجع فقط بل يميت شيئا في الداخل يجعل القلب 


يتساءل
كيف استطاعوا
أين الرحمة
أين الوعود
أين الإنسانية حين احتجت إليها ولم تجدها
المظلوم لا يبحث عن انتقام بل يبحث عن تفسير عن كلمة تبرر القسوة عن ذرة إنصاف تعيد شيئا من توازنه لكنه يدرك أن بعض الظلم لا تفسير له لأن بعض البشر يولدون بلا ضوء ويعيشون على حساب ألم الآخرين كمن يتنفس من رئة غيره دون أن يشعر بالاختناق


ومع ذلك
يبقى للمظلوم قلب لا يشبه أي قلب
قلب يعرف كيفية الوقوف بعد السقوط وكيفية البقاء بعد الاحتراق وكيفية الصبر حين يصبح الصبر هو النافذة الوحيدة


المظلوم برغم كل شيء أطهر من الظالم أصدق أعمق وأقرب إلى الله من كل أولئك الذين يظنون أن السلطة ترفعهم فوق الناس
أما الظالم فهو يعيش في الليل نفسه الذي يصنعه لعله لا يشعر الآن ولا يلتفت ولا يندم لكن الأيام لا تهمل أحدا
الظلم يعود يعود في هيئة حادث لم يكن في الحسبان أو لحظة ضعف أو خذلان يعيده إلى الأرض التي احتقرها


فالله لا ينسى والقلوب المكسورة هي أكثر القلوب التي يشرفها الله بنظره ولطفه


وفي النهاية
يبقى المظلوم نارا تحترق بصمت لكن رمادها يتحول يوما إلى نور
ويبقى الظالم جبلا يعلو لكنه سينهار عند أول زلزال صغير لا يحتسبه
ويبقى الحق مهما تأخر يخرج من قلب العتمة كطائر يحمل جناحين من نور ليقف عند باب المظلوم ويقول له
لقد طال ليلك وآن للفجر أن يجيء

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا