news-details
مقالات

ذلك الرجل الذي ينام على حافة قلب لم يعد له مكان

ذلك الرجل الذي ينام على حافة قلب لم يعد له مكان


بقلم/نشأت البسيوني 

 هناك رجال يمشون فوق الأرض وكأن ظهرهم مثقوب وكأن أرواحهم تفقد شيئا في كل خطوة يبتسمون ويجاملون ويعيشون بين الناس كأن حياتهم عادية لكن الحقيقة أن داخلهم مدينة سقط نصفها ولم يبق منها إلا رائحة غبار عنيدة وبطل هذه الحكاية ذلك الرجل الذي لا يجد راحته ليس مجرد عاشق فقد حبيبته بل إنسان خسر الجزء الأصدق من نفسه ويحاول اليوم أن يحب من جديد بينما قلبه لا يزال واقفا عند باب لم يغلق يوما امرأة كانت تشبه الهواء لم تكن التي رحلت مجرد حبيبة بل كانت الهواء الذي يتنفسه كانت تلك المرأة التي يجلس أمامها فيسكت ليس لأنه بلا كلام بل لأن قلبه كان يتحدث وحده دون إذن كانت تفهمه قبل أن ينطق وتواسيه قبل أن يسقط وتعيد إليه الصور التي محتها الأيام كان يشعر معها بأن الحياة أكبر من تعبها وأن العالم مهما ضاق يتسع حين تنظر إليه كانت تملك تلك القدرة النادرة على صناعة الطمأنينة في قلبه دون أن تفعل شيئا يذكر مجرد وجودها كان يكفي اللحظة التي تغير شكل العالم رحلت ولم يرحل هو فقط إلى الحزن بل رحلت معه ملامحه القديمة بعض الراحلين يأخذون منا ما نظن أنه ملك لنا لكنها أخذت منه نفسه تركته رجلا غير مكتمل يحمل جسدا يمشي وقلبا يتوقف عند اللحظة التي سمع فيها خبر فراقها كان يحاول أن يبدو طبيعيا يحاول أن يعيش يحاول أن يتعامل مع الحياة كأن شيئا لم يحدث لكن الفقد لا يعرف التمثيل والتظاهر أمامه مهزلة وكان هو رجلا ينهزم أمام الذاكرة بلا معركة امرأة جديدة وقلب لا يتعلم النسيان ظهرت في حياته امرأة لطيفة لها حضورها وأسلوبها واهتمامها كانت تحاول أن تمنحه بداية جديدة تمد يدها إليه وكأنها تقول له أنا هنا دعنا نبني شيئا لكن قلبه لم يكن جاهزا ليس لأنها ليست مناسبة وليس لأنها أقل جمالا أو أقل حضورا بل لأن قلبه كان ممتلئا بشخص واحد ممتلئا بحد لا يسمح لغيرها أن يتنفس فيه كان يجلس معها ويتحدث لكنه يشعر وكأنه يستعير مشاعره يبتسم ولكن ابتسامته لا تشبهه ينظر إلى وجهها فيبحث دون قصد عن ملامح وجه آخر مات منذ زمن لم يكن عادلا معها ولم يكن قاسيا عليها كان فقط رجلا لم يجد راحته الليالي التي ينهار فيها دون شهود الليل عند بعض الناس راحة لكن عنده كان معركة كلما أغلقت المدينة أبوابها فتح باب القلب على أوسع وجعه كانت الذكريات تتسلل مثل جيش صغير مدرب على الهجوم في اللحظات التي لا يستطيع فيها أن يدافع عن نفسه كان يسمع أغنية كانت تحبها فيتجمد يشم عطرا يشبه عطرها فيرتجف يراها في أحلامه كأن الموت كان مجرد إشاعة ويستيقظ ليجد أن الواقع أكثر قسوة من الحلم لم يخبر أحدا بذلك لم يقل للمرأة الجديدة إنه لا يزال يستيقظ باكيا أحيانا وأنه يخاف أن تتحول حياتها معه إلى معركة خاسرة لها كان يخفي جراحه كأنها عيب لكنها لم تكن عيبا كانت دليلا على أنه أحب بصدق الخوف من البدايات كل بداية تحتاج قلبا جاهزا وهو لم يكن كذلك كان يخاف أن يظلم المرأة الجديدة يخاف أن يحبها بنصف قلب يخاف أن يتورط معها قبل أن يتورط مع نفسه كان يشعر بأنه يعيش حياتين في وقت واحد حياة يمشي فيها بجانب امرأة تنتظر منه الأمان وحياة أخرى لا يزال يمشي فيها بجانب امرأة فارقته إلى الأبد وكان يسأل نفسه كل ليلة هل الذنب ذنبي هل أنا رجل لا يعرف أن يحب مرتين أم أن الحب الحقيقي يحدث مرة واحدة فقط وكل ما يأتي بعده مجرد محاولة للهرب من الوجع المرأة الجديدة وجمال لا يكفي وحده لم تكن مذنبة بل كانت تحاول كانت تمنحه وقتها كلماتها مشاعرها وكانت تبحث عن باب صغير يدخلها إلى قلبه لكن المشكلة لم تكن في الباب المشكلة كانت في الحائط الكبير الذي بناه الألم حوله هو يعطيها اهتماما يشاركها يومه يحكي لها شيئا من تفاصيله لكنه كلما اقترب شعر بأنه يعود خطوتين إلى الداخل إلى المكان الذي يعرفه أكثر من اللازم كان بينه وبين الراحة مسافة طويلة وكان يحاول أن يقنع نفسه أن الوقت قادر على تقصير المسافة لكن الوقت لم يكن متعاونا كما توقع داخله رجل آخر لم يمت في داخله رجل لا يزال يجلس مع الراحلة على مقعد لا يراه أحد ويتحدث معها عن أيام مسروقة وعن أمان فقده منذ رحيلها لم يعد يعرف كيف يتخلص من هذا الرجل ولم يعرف كيف يقنعه بأن الحياة يجب أن تستمر وبين محاولة الهروب من الذكريات ومحاولة الإمساك بالحاضر كان يتعب تعبا لا يسمعه أحد ولا يراه أحد وربما لا يستطيع هو نفسه الاعتراف به إلا في لحظات الانكسار الراحة ذلك الحلم البعيد كان يتمنى راحة لا تشبه أحدا راحة لا تأتي من امرأة ولا من كلام ولا من يوم جميل كان يريد راحة تأتي من داخله من قلب استطاع أخيرا أن يقبل أن الحياة تستمر حتى بعد موت الذين كانوا حياة لنا كان يشتهي يوما يستيقظ فيه دون ثقل دون خوف دون مقارنة دون سؤال يتكرر لماذا لا أشعر كما كنت أشعر هذه الراحة ليست سهلة وليست سريعة لكنها ليست مستحيلة الحقيقة التي يعرفها ولا يقولها هو لا يكره المرأة الجديدة ولا يرفضها هو فقط لا يريد أن يكون نسخة مشوهة من نفسه معها يريد أن يحبها دون أن يخون ذكراه وأن يبدأ دون أن يشعر أن البداية خيانة للنهاية القديمة يريد أن يتصالح مع قلبه قبل أن يتصالح مع العالم التي لا يبحث عنها بل تنتظره قد يأتي يوم يجد فيه الراحة وقد يبقى يبحث عنها طويلا قد يتمكن من أن يحبها وقد تبقى مجرد محاولة جميلة لم تكتمل لكن الأكيد أنه ليس أنانيا ولا باردا ولا قاسياهو فقط رجل عاش حبا صادقا وخرج منه بقلب ناقص يحاول أن يعثر على الجزء المفقود في حياة لم يعد يعرف كيف يعيشها هو رجل يحارب بصمت يحاول دون أن يراه أحد ويحب دون أن يصرح ويتألم دون أن يشتكي وربما وهذا منطقي جدا كل ما يحتاجه هو أن يجد من يفهم أن بعض القلوب لا تشفى بسرعة وبعض الأرواح تعود للحياة ببطء وببطء شديد

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا