news-details
مقالات

العقل وضجيج الحياة وأحوال الأشخاص

العقل وضجيج الحياة وأحوال الأشخاص

 
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله له الحمد في الأولى والآخرة، أحمده وأشكره على نعمه الباطنة والظاهرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، هدى بإذن ربه القلوب الحائرة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه نجوم الدجى والبدور السافرة، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد اعلموا يرحمكم الله كما جاء في المصادر الإسلامية أن العقول ثلاثة سطحي وعميق ومستنير، فالعقل السطحي هو الذي تعوّد أن يقف عند ظواهر الأمور، ويكتفي بإدراكها والعبور عليها، دون غوص ولا فكر ولا تحليل، فهو مشغول دائما بالأحداث والأشخاص، يلهث وراء مجريات الحياة التي لا تنتهي، ويغرق في ضجيج الحياة، وأحوال الأشخاص، وشئون معيشتهم، وهو شغوف بمعرفة من باع ومن إشترى، ومن خاصم ومن صالح. 




ومن تزوّج ومن طلق، وغير ذلك من الأمور العامه والخاصة، ويظل طوال العمر وهو يغوص في تلك الرمال المتحركة، حتى يتحول ذلك العقل بالتدريج إلى مستوى شديد التفاهة، لا يعرف من الأمور إلا ضجيجها وتسارعها وتقاطعها، فلا ينتج فكرا، ولا يصنع عمرانا، ولا يزداد إيمانا، ولا يبدع حضارة، بل يذهب منه العمر هباء، وأما العقل العميق فهو ينظر إلى الأحداث والأشخاص والأحوال والوقائع، فيعرفها ويدركها لكنه لا ينشغل بها، ولا يتوقف عندها، ولا يكتفي بسردها والحديث عنها، بل يرتقي إلى تأمل ما وراءها من قضايا، وما يتسبب فيها من أفكار، وكلما طرأت عليه أحداث الحياة بضجيجها وصخبها وزحامها، إنصرف عن ذلك كله إلى ما يحرك كل ذلك من عوامل، فتتجرد في نظره كل الأحداث من أثوابها وزخارفها. 




حتى يرى بوضوح من أين تبدأ وتنشأ، وإلى أين تمضي وتؤول، فهو يرى كل أحداث الحياة من منصة عالية، تسمو فوق أحداثها الصاخبة المتلاحقة اللاهثة، فلا ينجرف في جزئياتها، ولا تغمره بأمواجها، بل يراها من أعلى، فإذا هي أمامه واضحة، من بدايتها إلى نهايتها، يعرف منشأها ومآلها، فيحكم على كل حدث وعلى كل شيء حكما سديدا مستوعبا، فهذا العقل العميق هو الذي يصلح للقيادة، وهو الذي يعرف كيف يفكر، وهو الذي ينشأ على يده البحث العلمي المنهجي، وهو الذي ينتج الإكتشافات والإختراعات، وهو الذي يعرف الناس منه الحكمة وهو الذي يصنع العمران، وأما ثالث هذه العقول فهو العقل المستنير، وهو يعرف الأحداث والأشخاص، ويرصد كل ذلك، ويلم بمجريات الحياة كالعقل الأول، ثم يغوص إلى أعماقها، ويرى ما وراءها كالعقل الثاني. 



ثم يربط كل ذلك بالله، فإذا به عقل أنارت أمامه الكائنات والحادثات والوقائع، وزادته ربطا بالمولى سبحانه وهو عقل يتأمل ويحلل ويفكّر، فيرى الله تعالى في كل شيء، فإذا كل واقعة، وكل شخص وكل حدث وكل أمر وكل قضية، تسمو به وترتقي، فتذكره بالله، وهو يغوص في أحداث الحياة، فلا يكون حظه فقط أن يصل إلى الأعماق، ويخرج من كل حدث بزيادة في إيمانه، وإرتقاء في سعة معرفته بربه، وهو يرى الحكمة الإلهية في كل واقعة، وتبصر عينه مشاهد الجلال والصنع الإلهي في كل حدث، فقال تعالي " إن في خلق السموات والأرض وإختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب " فالسموات والأرض، وإختلاف الليل والنهار، وما يستكن فيهما من أحداث الخلائق وشئون البشر، وأمور المعيشة وتعاملات الناس، كل ذلك آيات لأصحاب العقول، ولا يخفى عليك أن أصحاب العقل المستنير هم رواد التفكير الإيجابي الذين تنهض برؤاهم المجتمعات وترقى الأمم.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا