النفس بحر الأماني ومستودع الأسرار
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله ذي الجلال الأكبر، عز في علاه فغلب وقهر، أحصى قطر المطر، وأوراق الشجر، وما في الأرحام من أنثى وذكر، خالق الخلق على أحسن الصور، ورازقهم على قدر، ومميتهم على صغر وشباب وكبر، أحمده حمدا يوافي إنعامه، ويكافئ مزيد كرمه الأوفر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من أناب وأبصر، وراقب ربه واستغفر، وأشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، الطاهر المطهّر، المختار من فهر ومضر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وذويه ما أقبل ليل وأدبر، وأضاء صبح وأسفر، وسلم تسليما كثيرا كثيرا ثم أما بعد إن من رحمة الله تعالى بعباده أنه تجاوز عما توسوس به النفوس ما لم يعملوا بذلك أو يتكلموا، حيث قال رسول الله صلي الله عليه وسلم "إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم " رواه البخاري ومسلم.
فإن الإنسان منا لا يستطيع أن يصلح غيره قبل إصلاح نفسه، ولا يستطيع أن يؤثر في محيطه قبل أن يتحكم في نفسه، وإن الإنتصار على النفس وأهوائها هو بداية كل إنتصار، فالنفس تقودك إلى الهلاك أو تقودها إلى بر الأمان، والنفس عجيبة فريدة في أحوالها، والنفس بحر الأماني ومستودع الأسرار، والنفس تميل دوما إلى رغائبها، والنفس يعجبها أن تسير طليقة لا حاجز يحجزها عن رغبتها، والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم، فيا أخي المسلم لا تحقرن من الأعمال الصالحة شيئا مهما صغرت، فقاعدة الطريق هي اتق النار ولو بشق تمرة، وإن الرقي والتقدم في أية بقعة من بقاع العالم، وفي أي مجال من مجالات الحياة الانسانية، ماضيا وحاضرا، لا يكون بناؤهما إلا على يد أبناء مجتمعها، فعندما يغرس الإسلام في روح الإنسان حب الخير والصلاح وأعمال البر.
إنما يقصد خلق نموذج إنساني تتجسد فيه كل مقومات الصلاح والنبل والجمال، فمتى صار الإنسان صالحا، فإنه سيكون فيضا من العطاء الخير، ليس لنفسه فحسب، وإنما للعالم أجمع، ولذلك حينما نتأمل حالة مجتمعنا اليوم ونحاول أن نرصد نشاط شبابه عن كثب، نجده منصرفا إلى ما يهدم دعائم هذا الوطن بدل بنائها وإقامتها، إذ يختفي حس المسؤولية، وينعدم الواجب وتغيب التضحية وراء ستائر العبث، والاستهتار واللامبالاة، فلا يبقى إلا الدور السلبي الذي أصبح يقوم به معظم الشباب إذا لم نقل كلهم استثناء لفئة قليلة جدا، إلا ما رحم الله عز وجل، وإن من سنن الله تعالى في البشر، أن أوجد فيهم المصلحين والمفسدين، وجعل الصراع بين الفريقين إلى آخر الزمان، وحين أخبر الله تعالى أنه مستخلف بشرا في الأرض خاف الملائكة من فساد البشر.
فقال تعالى كما جاء فى سورة البقرة " قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" فأجابهم الله تعالى بقوله " إنى أعلم ما لا تعلمون" وما يعلمه سبحانه وتعالى أن سعي المصلحين بالصلاح في الأرض فيه من المصالح ما يربو على فساد المفسدين، ويكفي المصلحين شرفا وعزا، أن الله تعالى نوه بهم في أول خطابات خلق البشر، كما تدل الآيات على أهمية الإصلاح في الأرض، وأن كثرة المصلحين خير للبشرية كما أن وجود المفسدين شؤم عليها، وتتابعت شرائع النبيين عليهم السلام تسعى بكل أنواع الإصلاح، وتحارب الفساد في كل مجالاته، فقال الله تعالى فى سورة الأعراف " ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها" واجتمعت كلمة أنبياء الله تعالى عليهم السلام لأقوامهم على قولهم كما قال تعالى فى سورة البقرة " ولا تعثوا فى الأرض مفسدين" وإن الصلاح مختص في أكثر الاستعمال بالأفعال.
وقوبل في القران تارة بالفساد وتارة بالسيئة، فقال تعالى فى سورة التوبة " خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا" وقال تعالى أيضا فى سورة الأعراف " ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها"
التعليقات الأخيرة