الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : القارة الأفريقية الأسيرة كيف استعبدتها اوروبا و سلبت أرواح أبنائها وخيرات أراضيها !
مأساة القرن التي صاغت وجه العالم الحديث لم تكن أفريقيا بالنسبة للقوى الإمبريالية مجرد قارة، بل كانت "مخزناً" بشرياً ومادياً لا ينضب، ومساحة جغرافية لتمزيق الخرائط. فبينما كانت أوروبا تتغنى بشعارات "التنوير" و"الحقوق"، كانت جيوشها وشركاتها تنفذ أبشع عملية قرصنة في التاريخ الإنساني. إنها قصة "القارة الأسيرة" التي تم تحويل إنسانها إلى "سلعة" وأرضها إلى "إقطاعية" لخدمة العروش الأوروبية، في مشهد لا يزال التاريخ يقف أمامه مذهولاً من حجم الوحشية.
أولاً
"رحلة الجحيم"
الخطف في أقفاص و وسم الجلود .
تمثلت وحشية الاستعمار في أبشع صورها بتحويل الرجال الأفارقة إلى "بضائع" تُشحن عبر البحار من خلال صناعة منظمة قائمة على الإرهاب والخطف
* الغارات الليلية والأسر : كان الرجال الأقوياء والشباب والنساء يُختطفون في غارات ليلية مفاجئة من قراهم الهادئة، حيث يُحاصرون ويُساقون كالماشية وهم مكبلون بالأغلال من أعناقهم وأرجلهم لضمان عدم هربهم.
* الأقفاص و الترويض : قبل شحنهم، كان يتم حشر هؤلاء الرجال في أقفاص خشبية ضيقة أو زنازين مظلمة تحت الأرض على السواحل (مثل قلعة "غوريه" في السنغال). كانت هذه الأقفاص بمثابة مرحلة "ترويض" تفتقر لأدنى المقومات البشرية، والهدف منها هو كسر إرادتهم وتحطيم روحهم المعنوية قبل الرحلة الكبرى.
* الموت في أحشاء السفن : داخل السفن الاستعمارية، في الرحلة المعروفة بـ "النفق الأوسط"، كان الرجال يُرصّون فوق بعضهم البعض في طبقات خشبية مزدحمة لا تسمح حتى بالجلوس. وبسبب القاذورات ونقص التهوية، كان الموت يحصد ما بين 25% إلى 50% منهم، وكان يتم إلقاء المرضى أو المتمردين أحياءً في أعماق المحيط لتوفير الطعام أو للحصول على أموال التأمين عن "البضاعة التالفة".
* أسواق النخاسة و الكي : عند الوصول، كانت أجسادهم تُعرض على منصات خشبية ليتم فحص عضلاتهم وأسنانهم وقدرتهم على التحمل أمام المشترين. ولإتمام عملية "التمليك"، كان يتم كي جلودهم بالحديد الساخن ليحملوا علامة المالك الجديد للأبد، في عملية تجريد كاملة من الاسم، والدين، و الآدمية .
ثانياً
"هندسة النهب"
الدول التي مزقت القارة وقادتها في عام 1884، اجتمعت القوى الكبرى في مؤتمر برلين بقيادة المستشار الألماني أوتو فون بسمارك لتقسيم أفريقيا "بالمسطرة والقلم" دون حضور أفريقي واحد، واضعين حدوداً اصطناعية فجرت نزاعات عرقية لا تزال تشتعل حتى اليوم. ومن أبرز الجناة ،،
* بلجيكا : تحت حكم الملك ليوبولد الثاني، الذي حول الكونغو إلى ملكية خاصة، وارتكب فظائع أدت لمقتل الملايين من أجل جمع "المطاط والدماء".
* بريطانيا العظمى : في عهد الملكة فيكتوريا وبإدارة المهندس الاستعماري سيسل رودس، التي نهبت الذهب والماس من جنوب أفريقيا وزيمبابوي.
* فرنسا : تحت حكم نابليون الثالث وقادة الجمهورية الفرنسية الثالثة، الذين استنزفوا موارد غرب وشمال أفريقيا وطمسوا هويتها الثقافية.
* البرتغال : التي كانت رائدة في تجارة الرقيق من أنغولا وموزمبيق لتمكين مزارعها وصناعاتها.
* ألمانيا : التي بدأت بالتوسع في عهد بسمارك والقيصر فيلهلم الثاني في مناطق مثل ناميبيا وتنزانيا.
ثالثاً
المقاومة الأفريقية
أبطال كسروا القيود
رغم القمع الحديدي، لم تستسلم القارة، وظهرت حركات وقادة سطروا ملاحم في الفداء،،
* الملكة نـزينغـا (أنغولا) : التي حاربت البرتغاليين لعقود ورفضت تسليم أبناء شعبها ليُباعوا كعبيد في الأقفاص.
* عمر المختار (ليبيا) : "أسد الصحراء" الذي واجه الاستعمار الإيطالي ببسالة أسطورية حتى نال الشهادة.
* عبد القادر الجزائري (الجزائر) : الذي أسس دولة المقاومة وواجه الجيوش الفرنسية لسنوات طويلة.
* ساموري توري (غرب أفريقيا) : مؤسس إمبراطورية "واسولو" الذي وقف حائط صد ضد الأطماع الفرنسية في غينيا ومالي.
حركة "الماو ماو" (كينيا): التي خاضت حرب عصابات شرسة ضد الاستعمار البريطاني حتى نالت الاستقلال.
رابعاً
استعباد الأرض ،، نهب الثروات الممنهج
لم تكتفِ الدول الأجنبية بالأجساد، بل صادروا "روح الأرض" و خيراتها ،،
* المعادن النفيسة : جرى نهب أطنان من الذهب والماس والنحاس واليورانيوم لبناء النهضة الصناعية في أوروبا.
* الزراعة القسرية : أُجبرت النساء والرجال على زراعة الكاكاو والقطن والبن بدلاً من المحاصيل الغذائية، مما جعل القارة الغنية تعاني من مجاعات تاريخية بسبب تصدير طعامها للخارج.
* تفكيك النسيج الاجتماعي : كان يتم فصل الرجال عن عائلاتهم قسراً للعمل بالسخره في المناجم البعيدة، مما دمر الأسر والقبائل الأفريقية العريقة.
((فاتورة الدم والدموع في أفريقيا))
تُشير التقديرات التاريخية لعلماء الديموغرافيا و المؤرخين إلى أرقام صادمة تعكس حجم الاستنزاف البشري الذي تعرضت له القارة
1. ضحايا تجارة الرقيق عبر الأطلسي...
* عدد المختطفين : يُقدر بنحو 12.5 مليون إنسان تم شحنهم فعلياً عبر المحيط.
* المفقودون والوفيات أثناء الرحلة : ما بين 1.5 إلى 2 مليون أفريقي لقى حتفه داخل السفن (بسبب الأوبئة، الانتحار، أو الإلقاء في المحيط).
* إجمالي النزيف البشري : إذا أضفنا من قتلوا أثناء الغارات على القرى ومن ماتوا في مراكز التجميع بالسواحل، يقفز الرقم إلى قرابة 20 مليون إنسان فقدتهم أفريقيا في هذه التجارة وحدها.
2. ضحايا الاستعمار المباشر (أمثلة صارخة)
* الكونغو (الاستعمار البلجيكي) : قُتل واختفى ما يقرب من 10 ملايين أفريقي في عهد الملك ليوبولد الثاني نتيجة العمل القسري، التشويه الجسدي (قطع الأيدي)، والمجازر.
* الجزائر (الاستعمار الفرنسي) : يُقدر عدد شهداء المقاومة والمفقودين منذ عام 1830 وحتى الاستقلال بأكثر من 1.5 مليون شهيد (بلد المليون ونصف مليون شهيد).
* ناميبيا (الاستعمار الألماني) : تعرضت قبائل "هيريرو" و"ناما" لأول إبادة جماعية في القرن العشرين، حيث أُبيد نحو 80% من شعب الهيريرو (حوالي 65 ألف إنسان) و50% من شعب الناما.
* ليبيا (الاستعمار الإيطالي) : تسبب الاستعمار في مقتل وفقدان نحو ثُلث سكان ليبيا (أكثر من 250 ألف نسمة) نتيجة المعتقلات الجماعية وحروب الإبادة.
3. التبعات الديموغرافية
يؤكد المؤرخون أن عدد سكان أفريقيا ظل ثابتاً تقريباً بين عامي 1750 و1900، في حين تضاعف سكان أوروبا وآسيا عدة مرات. هذا "الثبات" لم يكن طبيعياً، بل كان نتيجة مباشرة لعمليات الخطف والقتل والتهجير القسري التي أفرغت القارة من شبابها.
إن ما قامت به الدول الأجنبية في أفريقيا لم يكن مجرد استعمار عسكري، بل كان محاولة لمحو حضارة كاملة. ورغم رحيل الجيوش، تبقى آثار تلك الحقبة باقية في "الاستعمار الاقتصادي" والديون والحدود المصطنعة. إن تاريخ أفريقيا اليوم يُعاد كتابته بأيدي أبنائها، مؤكدين أن "القارة الأسيرة" قد كسرت أقفاصها، وهي في طريقها لاستعادة سيادتها الكاملة على أرضها وقرارها.
التعليقات الأخيرة