هندسة الإذعان الاستراتيجي: الجيل الثالث وإعادة صياغة الرئاسات في ظل "عقيدة ترامب" 2025
إعداد/عدنان صگر الخليفه
مقدمة البحث:
يشهد المشهد السياسي العراقي في نهايات عام 2025 تحولاً جذرياً يتجاوز مفاهيم المحاصصة التقليدية التي سادت بعد عام 2003، لينتقل نحو نموذج "الهندسة السياسية المبيتة". هذا التحول ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تلاقي إرادات دولية يقودها "المهندس الأمريكي" مع طموحات قوى "الجيل الثالث" في الداخل. تهدف هذه الدراسة إلى تفكيك ركائز الاستقرار الجديد القائم على "التنازلات المسبقة"، وكيفية تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات تنفيذية تضمن بقاء النظام مقابل الوفاء بشروط دولية قاسية، مع تقديم قراءات استشرافية لهوية السلطة التنفيذية القادمة.
إعادة مركزة القرار وتحطيم الأوزان التاريخية
تمثلت أولى خطوات هذه الهندسة في إعادة صياغة هيئة رئاسة مجلس النواب، حيث تم الانتقال من "الرئاسة الزعامية" إلى "الرئاسة الإجرائية". إن اختيار شخصية مقربة ومعاونة للزعامات التقليدية في المكون السني لتبوأ منصب رئاسة البرلمان، لم يكن إلا وسيلة لضمان إخضاع المؤسسة التشريعية لإرادة الغرف المغلقة. وقد ترافق ذلك مع عملية عزل ممنهجة للقوى الكردية التقليدية، وتحديداً الحزب الديمقراطي الكردستاني، لصالح قوى ناشئة مثل حركة "الموقف". هذا التغيير في موازين القوى داخل البرلمان يهدف إلى إنهاء زمن "الفيتوهات" المكوناتية، وخلق أغلبية مريحة قادرة على تمرير الأجندات الدولية والداخلية دون معارضة حقيقية، مما يعيد الهيبة للمركز في بغداد ولكن بشروط القوى الصاعدة.
عقيدة ترامب والتنازلات المسبقة في الغرف المغلقة
لا يمكن فهم التحولات الحالية بمعزل عن الإرادة الأمريكية المتجددة في ظل إدارة دونالد ترامب. إن السياسة الأمريكية في عام 2025 لم تعد تهدف إلى إسقاط النظام الإقليمي (في إيران) بقدر ما تهدف إلى "احتواء وظيفي" يضمن المصالح الأمريكية. ومن هنا، وُلدت "التنازلات المسبقة" كشرط أساسي لمنح الضوء الأخضر للحكومة العراقية الجديدة. هذه التنازلات التي اتُّفق عليها في الغرف المغلقة بين زعماء الحركات والمحرك الدولي، تشمل ضبط السلاح، وتأمين المسارات الاقتصادية، وتصفية ملفات كانت تُعتبر في السابق من المحرمات السيادية. وبذلك، أصبح العراق يمثل "الرئة الاقتصادية" والسياسية التي تضمن استقرار الجوار الإقليمي مقابل الوفاء الكامل بفواتير "المهندس الأمريكي".
المنفذ المفوض وحتمية الانتماء الفصائلي للسلطة التنفيذية
تقتضي الهندسة الجديدة أن يكون رئيس مجلس الوزراء القادم ذا طبيعة مزدوجة؛ فهو "منهم وليس منهم". إن حتمية اختيار رئيس الوزراء من صلب حركات الجيل الثالث (وتحديداً حركة صادقون) تنبع من الحاجة لضمان "الوفاء بالعهود". فالشروط الأمريكية القاسية تتطلب منفذاً يمتلك الشرعية الميدانية والسيطرة على الأرض، لضمان عدم تمرد الفصائل على الاتفاقات المبيتة. إن وجود شخصية فصائلية بزي مدني وتوجه إداري، يوزع المسؤولية التضامنية على المحور الحاكم، ويمنع "حرق" شخصية مستقلة قد لا تملك الأدوات اللازمة لفرض واقع التنازلات على القوى المسلحة.
الأضحية السياسية وشرعنة الجيل الثالث شعبياً
لكي تكتمل أركان السلطة، كان لا بد من تقديم "قربان" للشارع العراقي لامتصاص الغضب المتراكم منذ عقود. تعتمد الخطة المبيتة على تقديم شخصيات بارزة من "الجيل الأول" كأضاحي سياسية وقضائية تحت عنوان "محاربة الفساد واسترداد الحقوق". هذه العملية تهدف إلى إيهام الرأي العام بأن عهداً جديداً من الأحقية قد بدأ، بينما هي في الواقع تصفية جيلية تهدف لإخلاء الساحة تماماً لرموز الجيل الثالث، مما يمنح الحكومة الجديدة "صك غفران" شعبي يغطي على الأثمان الباهظة التي دُفعت للخارج.
الخاتمة: الدولة كعرف عشائري مطور
في الختام، تظهر الدراسة أن النظام السياسي العراقي قد أعاد إنتاج نفسه عبر استعارة الأعراف العشائرية وتطبيقها بمفاهيم مؤسساتية حديثة. إن "الدية السياسية" المتمثلة في التنازلات الدولية، و"المضيف" المتمثل في الغرف المغلقة للزعماء، و"الوكيل المفوض" المتمثل في رئاسة الوزراء، كلها ركائز لبناء دولة "الاستقرار المشروط". ويبقى التحدي الأكبر هو مدى قدرة هذه الهندسة على الصمود أمام تقلبات "المهندس الأمريكي" ومطالبه المتزايدة، ومدى قدرة الجيل الثالث على الموازنة بين "الوفاء بالعهود الدولية" وبين "إرضاء الطموحات الشعبية" في عراق لم يعد يحتمل أنصاف الحلول.
التعليقات الأخيرة