news-details
مقالات

الكاتب والباحث جليل هاشم البكاء يكتب. ليس منا من أفرح عدونا .. بوصلة المواقف ... " جريده الأضواء المصريه "

ليس منا من أفرح عدونا ..  بوصلة المواقف ...

ليست كل الكلمات سواء، ولا كل المواقف تُقاس بظاهرها، فهناك ميزان خفي لكنه دقيق، يكشف حقيقة الانتماء وصدق الاتجاه. ذلك الميزان هو أثر القول والفعل: إلى من يميل؟ ومن الذي يفرح به؟ ومن الذي ينزعج منه؟ وهنا تتضح القاعدة التي لا تقبل الالتباس: ليس منا من أفرح عدونا.

إن الانتماء إلى خط الحق ليس شعاراً يُرفع، ولا دعوى تُقال، بل هو موقف يُترجم في لحظات الاختبار. وقد أرشد القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بوضوح حين ربط بين رضا أهل الباطل وميل القلوب إليهم، وبين الانحراف عن جادة الصواب. فالقلوب التي تأنس برضا أعداء الحق، وتستطيب مدحهم، إنما قد انحرفت بوصلتها وإن ادعت غير ذلك.

وكذلك جاءت السنة النبوية لتؤكد أن معيار الحق لا يُؤخذ من رضا الناس، بل من موافقة منهج الله، وأن من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله وكله الله إليهم. فكيف بمن يجعل ميزان مواقفه هو تصفيق الأعداء وارتياحهم؟

إن تراث وخطاب أهل البيت عليهم السلام قائم على وضوح هذا الحد الفاصل: الحق لا يلتقي مع الباطل في منتصف الطريق، ولا يجامله، ولا يسعى لاسترضائه. فكل موقف يفرح به أعداء الله، ويُضعف جبهة الحق، هو موقف ينبغي التوقف عنده ومراجعته، لأنه يحمل في طياته خللاً في البصيرة قبل أن يكون خللاً في السلوك.

ومن زاوية علم الاجتماع، فإن الجماعات تُعرف بمواقفها في الصراع، لا بأقوالها في الرخاء. فالمجتمع الذي يفرح أعداؤه بخطاب بعض أفراده، إنما يكشف عن وجود خلل في الوعي الجمعي أو اختراق في منظومة القيم. إذ لا يمكن لعاقل أن يتصور أن العدو يصفق لمن يهدد مصالحه، أو يرضى عمن يقف في وجهه. فإذا رضي، فثمة شيء قد انقلب في المعادلة.

وهنا تتجلى أهمية ضبط البوصلة: ليس كل ما يُقال باسم الحكمة هو حكمة، ولا كل دعوة للتهدئة هي إصلاح، ولا كل خطاب لين هو رحمة. المعيار الحقيقي هو: هل هذا القول يُقوي أهل الحق أم يُربكهم؟ هل يُغيظ أعداءهم أم يُرضيهم؟ فإن كان الثاني، فليُعلم أن الطريق قد انحرف مهما كانت النوايا المُعلنة.

إن الانتماء الحقيقي يُقاس بالثبات في المواقف الحرجة، وبالقدرة على التمييز بين رضا الله ورضا أعدائه. وكل ادعاء بالانتماء لا قيمة له ولا مصداقية، ما دام صاحبه يسير في خطٍ يلتقي مع رغبات أعداء الله، أو يخفف عنهم ضغط المواجهة، أو يمنحهم شرعية معنوية.

ليس منا من أفرح عدونا، لأنها ليست مجرد عبارة، بل قانون في فهم الانتماء، ومعيار في كشف الصادق من المدعي. فمن أراد أن يعرف موقعه، فلينظر: أين يقف خصوم الحق من قوله وفعله؟ هناك فقط، تتجلى الحقيقة بلا تزييف. قل من يرضى عنك أقل لك من انت ...

بقلم جليل هاشم البكاء

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا