في عالم يُفترض أنه أصبح قرية رقمية مفتوحة، حيث تُرفع شعارات حرية التعبير بلا قيود، تبرز تساؤلات حادة حول سياسات منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها منصة X، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى ساحة صراع سياسي وإعلامي لا يقل سخونة عن ميادين الواقع.
منذ استحواذ رجل الأعمال Elon Musk على المنصة، وعد العالم بتعزيز حرية التعبير وتقليل القيود، لكن الواقع الذي يرصده المستخدمون—خاصة في العالم العربي—يبدو مختلفًا، حيث تتكرر شكاوى إغلاق أو تقييد حسابات تنتقد إسرائيل أو الصهيونية، بينما تظل حسابات أخرى تنشر محتوى مضادًا دون نفس القيود.
ازدواجية المعايير الرقمية
الانتقادات الموجهة للمنصة لا تتعلق فقط بقرارات فردية، بل بما يراه كثيرون “ازدواجية معايير”. فبينما تُصنف بعض المنشورات على أنها “خطاب كراهية” أو “تحريض”، يرى أصحابها أنها مجرد تعبير سياسي مشروع، خصوصًا في سياق الصراع الممتد منذ عقود.
هذه الازدواجية تطرح سؤالًا جوهريًا:
هل يتم تطبيق القواعد بشكل متساوٍ، أم أن هناك اعتبارات سياسية واقتصادية تتحكم في خوارزميات الرقابة؟
الخوارزميات… الحَكم الخفي
تعتمد منصة X، مثل غيرها من المنصات الكبرى، على أنظمة ذكاء اصطناعي لرصد المحتوى. لكن هذه الخوارزميات ليست محايدة بالكامل، إذ يتم تدريبها وفق سياسات محددة قد تعكس توجهات أو ضغوط معينة.
وفي كثير من الحالات، لا يستطيع المستخدم معرفة السبب الحقيقي وراء إغلاق حسابه أو تقييد منشوراته، ما يزيد من الشعور بالظلم الرقمي وغياب الشفافية.
ضغط سياسي أم حماية من التطرف؟
من وجهة نظر أخرى، تدافع المنصة عن نفسها بأنها تحارب خطاب الكراهية والتحريض على العنف، وهو مبدأ لا خلاف عليه نظريًا. لكن الإشكالية تكمن في تعريف “الكراهية” ذاته:
هل انتقاد دولة أو أيديولوجيا يُعد كراهية؟ أم أنه جزء طبيعي من حرية الرأي؟
هنا يدخل العامل السياسي بقوة، خاصة مع حساسية ملف إسرائيل في الغرب، وتأثير جماعات الضغط، إضافة إلى التشريعات التي تفرض قيودًا صارمة على أي محتوى يُفسر على أنه معادٍ لليهود.
الاقتصاد والإعلانات… اللاعب الصامت
لا يمكن فصل قرارات المنصات الكبرى عن مصالحها الاقتصادية. فالمعلنون الكبار، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، يفضلون بيئة “آمنة” بعيدة عن الجدل السياسي الحاد.
وهذا يدفع المنصات أحيانًا إلى اتخاذ قرارات أكثر تشددًا لتجنب خسارة الإعلانات، حتى لو كان ذلك على حساب حرية التعبير.
هل انتهت حرية التعبير الرقمية؟
السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه:
هل ما زلنا نعيش عصر حرية التعبير، أم أننا دخلنا مرحلة “الحرية المشروطة”؟
الواقع يشير إلى أن حرية التعبير على المنصات الرقمية لم تعد مطلقة، بل أصبحت محكومة بمعادلة معقدة تجمع بين السياسة، الاقتصاد، والتكنولوجيا.
ان ما يحدث على منصة X ليس مجرد قرارات تقنية، بل هو انعكاس لصراع أكبر على الرواية، وعلى من يملك حق سرد الحقيقة في العصر الرقمي.
وفي ظل غياب الشفافية الكاملة، سيظل الجدل قائمًا، وسيبقى المستخدم العربي يتساءل:
هل صوته مسموع… أم أنه يُخضع لمعايير لا يراها ولا يفهمها؟
التعليقات الأخيرة