لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا يا عباد الله أن القدوة فقد يكون صالحا في باب أو بابين من الحياة، لكنه يقصر عن مراتب الكمال في باقي وجوه الحياة، وهذا هو السر وراء كون رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أسوة، وكون غيره من أفراد الأمة قدوة، وهذا ما ذهب إليه بعض، ولكن هذا مخالف لظاهر الآية الكريمة " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " إذ الضمير راجع إلى نبي الله إبراهيم عليه السلام والذين آمنوا معه، وإنه ينبغي علينا التحرير العقلى من أسر التقليد، وأول التحرر من القيود التقليدية، هو قيد التحرر من إتباع الآباء والأجداد، فكثيرا ما وقف هذا الحاجز دون الإستماع والإنصات الحق إلى دعوات أنبياء الله تعالى ورسله، فيما جاؤوا به من البينات والهدى للناس، فتجد نبى الله هود عليه السلام يدعو قومه إلى التوحيد، وترك ما هم عليه من بطر وتجبر وتظالم، متكلما معهم بالحسنى، فما كان منهم إلا أن قالوا له كما جاء فى سورة الأعراف.
" أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان عليه آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين" وكذلك وقف الكثيرون من الأقوام المختلفة مثل هذا الموقف الغبى من رسل الله إليهم، ومنهم مشركو العرب، حين جاءهم خاتم رسل الله محمد صلى الله عليه وسلم، فدعاهم إلى توحيد الله، والشهادة له بالرسالة، وتبنى مكارم الأخلاق التى جاء بها من ربه، فرفضوا هذه الدعوة الخيّرة البصيرة، كما حكى عنهم القرآن الكريم فى سورة المائدة " وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون" وبهذه المناقشات العقلية المضيئة والمنيرة يخاطبهم القرآن الكريم، ليعمل على زحزحة هذه العقول الجامدة، كأنها الحجارة أو أشد قسوة، فلم يسلموا إلا بعد مشوار طويل، سقط فيه من سقط، ونجا فيه من نجا، فالتقليد الأعمي يسبب تعطيل السمع والبصر والفؤاد.
وينزل بالإنسان من أفق الإنسانية العاقلة إلى حضيض البهيمية الغافلة، بل يجعل الإنسان أضل سبيلا من الأنعام لأنها لم تؤت ما أوتى من قوى التمييز والإدراك، فكان جديرا أن يكون من حطب جهنم كما أخبر الله عز وجل، وصدق فيهم قول الله عز وجل فى سورة الأعراف "ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون" فإعلموا أن أنجح الوسائل للتربية تلك التي يراها أبناؤنا وفلذات أكبادنا في أفعال آبائهم وسلوكهم، فيفعلون ما يفعله الآباء تقليدا ابتداء، واستنانا لما يكبرون انتهاء، وأول هذه الأخلاق التي على الوالدين غرسها في أولادهم هي الصدق ومراقبة الله تعالي في السر والعلن، فلا خلق ولا رفعةَ للكاذب، ولا للذي يظهر أمام الناس الصلاح، فإذا خلا إلى نفسه أتى كل قبيح.
كما أن التربية الحسنة تقتضي أن لا نحمل أبناءنا على كل حسن دفعة واحدة، لأن النفس ملولة والشيطان يزيغها بالاستدراج، لذا فهي تنقاد له، ولهذا فليس عيبا أن نرى في سلوك أبناء المسلمين بعض الهنات لأن هذا لا يستقيم إلا مع مرور الزمن وطول التربية والصبر على ترويض النفس، وإعلموا أن حقوق الزوجة على زوجها هي مستمدة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ومن روح وتعاليم الإسلام والتي نرجو أن يكون من يلتزمها من الأزواج زوجا ناجحا أسس أسرته على أساس متين، ومنها حسن الخلق معهن ولا أعني بذلك أن الرجل لا يشتم زوجته ولا يحقرها فهذا أمر مفروغ منه أصلا ولا يصح بحال من الأحوال، إذ أنك مطالب به مع الغريب فالمؤمن يجب أن يكون لسانه نظيفا لا يتكلم بالكلمات القبيحة ولا يسب ولا يقبح، وإذا كنت حريصا على أن تحترم الناس وأن تحترمك الناس فكيف بامرأة تشاركك الفراش.
فكيف لا يكون هناك مثل هذا الأدب والاحترام المتبادل بينكما، ولكن الذي أعنيه بحسن الخلق هو تحمل الأذى منهن، وسأضرب لكم مثلا لحسن الخلق الذي أعنيه، فعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم استعذر أبا بكر عن عائشة ولم يظن النبي صلى الله عليه وسلم أن ينالها بالذي نالها فرفع أبو بكر يده فلطمها وصك في صدرها فوجد من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال "يا أبا بكر ما أنا بمستعذرك منها بعدها أبدا" رواه ابن حبان.
التعليقات الأخيرة