أعظم ما دعا إليه الإسلام
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا يا عباد الله أنه لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أول العاملين بما يوحى إليه من ربه، وبما يسنه من الخلال الحميدة في سنته لما أخرج لنا الصحابة بما هم عليه من علو الهمة وسمو الأخلاق ونبل النفس ولأن الإنسان قد فطره الله تعالي على تقليد من يحب فإن الأبناء يقلدون الآباء كما اتبع الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحبهم له، ومعرفتهم صدق دعوته رضوان الله عليهم أجمعين، حتى لقد كانوا يتأسون به في كل صغيرة وكبيرة، سواء في هيئات جلوسه وركوبه، مما أباح الشرع فيه للناس ما شاؤوا من الهيئات، سوى ما فيه مضرة فقد نهى عنه، ولهذا كان على الوالدين قبل أن يأمروا وينهوا النظر في أفعالهم هل تطابق أقوالهم، فمحال أن يأمر الأب أو الأم الأبناء بالصلاة وهما لا يصليان، ثم يمتثل الأولاد هذا الأمر، إلا إن كان الصغار حين فتحوا أعينهم وجدوا آباءهم يصلون الصلاة في وقتها.
ويحرصون على تحصيل فضلها بالخشوع والطهارة، وإن من تأمل في مخلوقات الله عز وجل ونظر إلي السماوات والأرض والجبال وكل ذلك علم قوة الله وعظمته، وجلاله وغناه عن خلقه، فله وحده الكبرياء والعظمة، ولا شك أن ذلك يثمر في القلب الخوف من الله ومراقبته في الأوامر والنواهي، كما يفيض على القلب رهبة وخشوعا وخضوعا تزدان به عبادة المرء، ويقول النبي الكريم صلي الله عليه وسلم "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" ومع هذا فإن الملائكة الكرام " لا يستكبرون عن عبادته ولا يستخسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون" ويقول النبي الكريم صلي الله عليه وسلم " أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهتَه ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا،
وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله" وإذا كان هذا هو حال السموات والأرض والجبال، وحال الملائكة مع قوتهم وعظيم خلقهم، فكيف بالعبد الضعيف؟ فإن الإسلام يحرر العقل، وهذه بلا ريب نعمة عظيمة، كأن أول ما يميز الإنسان عن سائر الحيوانات، هو أن الله تعالى منحه العقل ليفكر به، ويتأمل فى نفسه وفى آيات الكون من حوله، ويتعلم ما يمكن تعلمه، بأدواته المختلفة من السمع والبصر والفؤاد، لذلك كان تحرير هذا العقل الذى هو المنحة الكبرى للإنسان من كل ألوان الأسر والرق والحجر عليه، والحجب له عن التفكير الحر، والتعلم المستقل، والبحث الدؤوب، هو من أعظم ما دعا إليه الإسلام فى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وفى أصوله الفكرية والدينية، ولقد عاب الله تعالي على المشركين اتباعهم للظن في تكوين العقائد التي لا يغني فيها إلا اليقين القائم على البصيرة والبرهان.
وإن في موضوع تربية الأولاد قد لا يحتاج الآباء إلى الكلام في حضرة الأسوة، لماذا؟ لأن الأسوة فعل محسوس ومُشاهد، والكلام قول مجرد، والنفوس في أصلها ميل للمحسوس، ونفور وبُعد من المجرد، لذلك ترى الطفل وهو في سنواته الأولى كلما قام أبوه نحو غرفته، سارع وسابق أباه نحو السجادة، وجلس يقلد حركاته وإن كان لا يفقه منها شيئا، فإذا كبر لم يحتج معه والده كثرة الكلام وإغلاظ القول، حتى يصلي ذاك الصبي الذي كان يسابق أباه نحو مصلاه، وقل مثل هذا في الصدق والحياء والوفاء والبعد من الفواحش، وما أكثر المغريات في هذا الزمن الذي يقوم فيه بدل الوالدين كثير من الموجهين، فهناك التلفاز والأنترنت وغيرهما من وسائل التواصل الاجتماعي، فإذا لم يكن الوالدان خير قدوة لأبنائهما بأفعالهما، فمن المستحيل عقلا أن يغلب قول قولين أو ثلاثة أقوال، إلا إذا كان قول الوالدين فعلا ينظره الأبناء في حياتهم.
سلوكا وإمتثالا لشرع الله عز وجل، على أننا ننبه إلى أن بعضهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة، وغيره قدوة، والفرق بينهما أن الأسوة تكون أنموذجا يحتذى في نواحي الحياة كلها، وهذا لا يصدق إلا على من اصطفاهم الله تعالي لرسالته وخصهم بفضله العميم ولأنهم معصومون، لذلك كان الرسل الكرام عليهم السلام أهلا للأسوة.
التعليقات الأخيرة