التمييز بين الصحيح والضعيف
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إعلموا يا عباد الله أن هناك أصول للدين في العقيدة والتوحيد، وهناك أصول للفقه، وهناك أصول للحديث في مصطلح الحديث، وهناك أصول للتفسير في قواعد التفسير، ولا بد من إتقانها والإلمام بها لإحكام عملية الطلب، إتقانه شيئا فشيئا وأخذه يكون بالبدء بكباره قبل صغاره، والأسس والقواعد قبل الفروع، ومن رام العلم جملة ذهب عنه جملة، والتأصيل والتأسيس، والعناية بالمختصرات، حفظا وضبطا وفهما وشرحا، مثل القراءة على شيخ متقن، وعدم الاشتغال بالمطولات وتفاريق المصنفات قبل ضبط الأصول، فعن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، كعثمان بن عفان وعبد الله ابن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا فإن العلماء الربانيون يتميزون بالحفظ والإتقان.
وقال أبو عيسى الترمذي في سننه إنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان، وقال ابن عبد البر" أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في طبقات الفقهاء، وإنما العلماء أهل الأثر وهو الأحاديث والسنن المرويات، والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز وهو التمييز بين الصحيح والضعيف والفهم، وقال الذهبي شاكيا حال زمانه وأما اليوم فقد اتسع الخرق، وقلّ تحصيل العلم من أفواه الرجال، بل ومن الكتب غير المغلوطة، وبعض النقلة للمسائل قد لا يحسن أن يتهجّى، وإن من علامة محبة العبد لله ولرسوله أن يحب من يحبهم الله ورسوله من الأشخاص وأن يحب كل ما يحبه الله ورسوله من الأقوال والأفعال حتى لو جرى منه تقصير في شيء منها، فالواجب علينا أن نحب الإحسان والمحسنين وإن كنا لسنا منهم ونحب التقوى والمتقين ونحب التوبة والتوابين.
ونحب الطهارة والمتطهرين، ونحب المتمسكين بهدي القرآن والسنة، أما في قضية حفظ القرآن فإن الإتقان مهم جدا والإتقان هو المهارة، فهذا الذي يقرأ دون توقف، متقن للحروف، وعارف بالوقوف، مجود على القواعد، ولقد حرص المسلمون على إتقان تجويد كتاب الله تعالى، وإخراج كل صوت من مخرجه، ولما كان بعض الحروف فيها تقارب في المخرج ضبطوها، وبينوا صفاتها، وحفظوها من الطغيان والتطفيف فلم يهملوا تحريكا ولا تسكينا ولا تفخيما ولا ترقيقا وضبطوا مقادير المدات في التجويد، وتفاوت الإمالات، وميزوا بين الحروف والصفات، ولذلك صار في علم القرآن وقراءة القرآن مجال عظيم للإتقان، وفيه تفاوت كبير وصار هنالك دقة رواية، وسلامة ضبط وجودة الأداء، وأما مسألة جمع القرآن فقد كان الإتقان فيه عجبا، فقد أسندت المهمة إلى رجل شاب عاقل وقيل له لا نتهمك كما قال أبو بكر رضي الله عنه.
لزيد بن ثابت رضي الله عنه، من كتبة الوحي، فتتبع القرآن فاجمعه، وإن الإسلام هو دين عدل وحق لا يعرف الواسطة، فقد سرقت امرأة مخزومية كانت تجحد العارية وبنو مخزوم أسرة فارهة ضخمة من أسر قريش المشهورة، فلما جحدت هذه المرأة الحلي، رفع أمرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال حكم الله عز وجل، قطع يدها، فقامت قيامة بني مخزوم، وقالوا توسمنا العرب بأن امرأة منا سرقت، لا، والله لا يكون هذا، واجتمعوا وسهروا الليالي الطويلة، وأداروا الرأي، وفي الأخير من الذي يشفع لهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن الذي ينشر القضية؟ ارتبكوا أيما ارتباك، وفي الأخير قالوا نذهب إلى أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه، ونعرض عليه القضية لعله أن يرفعها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أتوا إلى الإمام علي بن أبي طالب فغضب ورفض واحمر وجهه.
وقال ويلكم أتشفعون في حد من حدود الله، فأتوا إلى فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبروها الخبر، فقالت ويلكم وغضبت، وتحرك إيمانها في قلبها، وقالت من يشفع في حدود الله؟ وفي النهاية ذهبوا إلى أسامة رضي الله عنه وأرضاه، وهو شاب غر فطن في الثالثة عشر من عمره، فعرضوا عليه الرأي، فاستحسن الفكرة وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس أمامه، فقال له صلى الله عليه وسلم وأسامة خجول لا يستطيع أن يتكلم بما في صدره، فقال له صلى الله عليه وسلم ماذا في صدرك؟ قال يا رسول الله المرأة المخزومية التي حكمت عليها بقطع يدها نريد أن تعفو عنها، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام على ركبتيه ورفع صوته على أسامة، وقال "ويحك وجئت تشفع في حد من حدود الله" وقيل أنه صلى الله عليه وسلم أنه قال"إذا بلغت الحدود الإمام فلعن الله الشافع والمشفع"
أي بمعني إذا بلغت السلطان أو القاضي الحدود كحد الزنا، أو حد شرب الخمر، أو حد القتل، أو حد السرقة، فأتى أناس يتشفعون من الوجهاء والمسئولين، فلعن الله هذا الشافع الذي تشفع ولعن الله من قبل الشفاعة، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمع الناس، وأتى الصوت يدوي في المدينة " الصلاة جامعة، الصلاة جامعة" ولا يجتمع الناس إلا لأمر فظيع خطير في الإسلام، فلما اجتمعوا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، على المنبر ليبين أن هذا حكم الله، وأن هذه فريضة الله، وأن هذه شريعة الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أيها الناس إنما أهلك الذين كانوا من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله ووالله وتالله وبالله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها" فهذا هو الدين الإسلامي الحنيف.
التعليقات الأخيرة