إياكم من التفرقة بين الأولاد
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إعلموا يا عباد الله أن التفريق بين الأولاد في إعطاء المال أو السيارة أو تكاليف حاجات البيت، أو حتى الإكثار من الثناء على أحدهم أمام إخوانه أو أخواته، أو الانتصار لأحدهم دائما حتى وإن كان هو أصغرهم أو أكبرهم، كل ذلك مما يثير الحسد والبغضاء في نفوسهم لأخيهم، وقد يتعدى هذا إلى والدهم، نعم قد يحتاج الأب إلى مكافأة بعضهم أو الثناء عليه دون بعض لفوز أحرزه أو نحو ذلك، فهذا لا بأس به إذا كان بقدر موزون، ولو سألت أكثر العاقين لآبائهم عن سبب بغضهم وحقدهم على آبائهم أو إخوانهم لقال لك أبي يحب إخواني أكثر، أبي اشترى لأخي سيارة ولم يشتري لي، أبي يعطي أخي مالا ولا يعطيني، فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، وهكذا فإن الإسلام دين مثالي واقعي، فهو يدعوا إلى ترك الخصومات وعدم إحداثها أصلا، وهذه مثالية، لكنه يؤدب أتباعه بأدب الخصومة فيما لو وقع بين أفرادهم صدام أو خصام.
وهذه واقعية فما هي آداب الخصومة في الإسلام؟ ويجب مراقبة الله تعالى في الخصومة لأن الله تعالى مطلع الآن، وستعاد الخصومة أمامه يوم القيامة، فقد روى الترمذي عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال لما نزلت الآية الكريمة " ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون" قال الزبير يا رسول الله أتكرر علينا الخصومة يوم القيامة، بعد الذي كان بيننا في الدنيا؟ قال نعم، قال إن الأمر إذن لشديد أن نقول يوم القيامة الشيطان وسس لي، يا أخي هذا لا ينفعك لا يغني عنك الشيطان من الله شيئا، وقال تعالى " كل نفس بما كسبت رهينة" وقال تعالى " ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر" فمهما أردت أن تقول في الخصومة فقل، لكن اعلم أن الله يراقبك، وستعرض عليه الخصومة يوم القيامة وسيطلب منك أن تعيد الكلام نفسه الذي قلته في الدنيا، فإن كان حقا نجوت وإن كان باطلا خُصمت، ومهما أردت أن تكتب في مذكرة الإدعاء.
أو في مذكرة الدفاع في المحكمة اكتب، لكن إعلم أن الأوراق نَفسها ستعرض يوم القيامة على محكمة قاضيها رب العالمين، فإن كان ما كتبت حقا نجوت وإن كان باطلا خُصمت، مهما أردت أن تزور توقيعا أو أن تغيّر تاريخ عقد أو أن تبدل إسما مكان إسم افعل، لكن إعلم أن الخصومة ستعاد يوم القيامة أمام الله أورد السيوطي في تفسيرها " ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون" يؤخذ للمظلوم من الظالم، وللمملوك من المالك، وللضعيف من الشديد، وللجلحاء من القرناء حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه، فالله عز وجل يجعل دم المسلم أغلى عنده من السموات والأرض، لأنه ينطق بسرّ الله، ويُعلن توحيد الله، ويقول أفضل كلمة قالها قائل في هذه الحياة، هي مفتاح الجنة، وهي مفتاح الأمن يوم لقاء الله، وهي كلمة الإيمان والإسلام "لا إله إلا الله محمد رسول الله" بل حرّم هذا الدين أن يُعذب المؤمن بأي كيفية، بل أن يُضرب المؤمن على أعضاءه.
التي كرمها رب البرية، فنهى نبيكم الكريم أن يُضرب المؤمن على عينيه أو على أذنه أو على أنفه أو على رأسه أو على أي مكان في وجهه، وقال صلي الله عليه وسلم في ذلك " من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعاقه" أي لا يُكفر عن هذا الذنب إلا أن يعتق هذا العبد ويجعله حُرّا لوجه الله عز وجل، ومما لا شك فيه إن أعز وأكرم ما خلق الله سبحانه وتعالى في هذه الحياة، هو الإنسان، ولمكانة وقدر الإنسان، أعلى الله من شأنه، بل ومن شأن الأبعاد والقيم الإنسانية التي تجعل الإنسان يشعر بقيمته وكرامته كإنسان وليس أدل على ذلك من أن لفظ الإنسان قد ورد في القرآن الكريم ما يزيد عن خمسين مرة، وهنا تجد الفرق بين الإنسان وسائر المخلوقات الأخرى حيث إن للجانب الإنساني أثراً كبيرا في تكوين الإنسان، وإن المتأمل في كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم يجد نصوصا عديدة تشير إلى الأبعاد والقيم الإنسانية مثل قوله تعالى.
" إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلي أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظم به إن الله كان سميعا بصيرا" ويقول العلماء عن تلك الآية الكريمة إنها من أمهات الأحكام، حيث تضمنت جميع الدين والشرع، والآية عامة في الجميع، ولكن لو نظرنا إلى سبب نزول الآية، لوجدنا أنها تظهر وجها مشرقا لإنسانية الإسلام، ممثلة في النبي المصطفي محمد صلى الله عليه وسلم، وأتباعه من بعده، فهذا مفتاح الكعبة في يد كافر قبل الإسلام، وحامل المفتاح هو عثمان بن أبى طلحة، وابن عمه شيبة، وقد منعا النبي صلي الله عليه وسلم من دخول الكعبة، وهو بمكة قبل الهجرة إلى المدينة، وحينما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحا منتصرا، إذا بعمه العباس بن عبد المطلب يطلب منه مفتاح الكعبة لتضاف له السدانة إلى السقاية.
ولكن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بدلا من أن يلبي طلب عمه، إذا به ينادي على من منعوه من دخول الكعبة من قبل، ودعا عثمان وشيبة فقال صلى الله عليه وسلم " خذاها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم" أي طراز من القيم والأبعاد الإنسانية هذه التي يعلمها رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لأتباعه خاصة وللناس عامة؟ بل أي رقى وتقدير للإنسانية في هذا الموقف الرائع الذي ما ينبغي أن يمر علينا مرور الكرام.
التعليقات الأخيرة