news-details
مقالات

أعظم الأمانات في الحياة

بقلم/ محمـــد الدكـــروري
اعلموا أن الرحمة من أخص صفات الله جل جلاله، حيث إن الله تعالى جعل إتصافه بالرحمن الرحيم عنوان كتابه الكريم، فافتتح به سوره، وكرر ذكره في آياته، فقد ورد إسم الرحمن في مواضع عديدة، وإسم الرحيم في مواضع أكثر، ليغمر القلوبَ بمعاني الطمأنينة، ويشيع في النفوس روح الرجاء، وجعل سبحانه رحمته سابقة لغضبه، دلالة على سعة فضله وعظيم إحسانه " والرحمن الرحيم " صفتان مشتقتان من الرحمة، والرحمة في أصل اللغة رقة في القلب تقتضي الإحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفا لله تعالى، ولذا فسرها العلماء بإرادة الإحسان، أو بالإحسان نفسه، فالرحمن وصف دال على رحمة الله تعالى بكافة خلقه، بأن خلقهم وأوسع عليهم في رزقهم، والرحيم خاص في رحمته لعبادة المؤمنين بأن هداهم إلي الإيمان وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع " وإعلموا يرحمكم الله أن من أعظم الأمانات هي أمانة النفس. 




فهي أعظم من أمانة الأموال والأولاد، أقسم الله بها في كتابه، ولا يقسم الله إلا بعظيم، حيث قال تعالى " ونفس وما سواها " وقد جعل الله لهذه النفس طريقين، وهما طريق تقوى وبه تفوز وتفلح، وطريق فجور وبه تخسر وتخيب، والناظر في حال الناس اليوم، يرى رُخص النفوس عند أهلها، ويرى الخسارة في حياتها لعدم محاسبتها، والذين فقدوا أو تركوا محاسبة نفوسهم سيتحسرون في وقت لا ينفع فيه التحسر، وقال الإمام الغزالي عرف أرباب البصائر من جملة العباد أن الله تعالى لهم بالمرصاد، وأنهم سيناقشون في الحساب، ويطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات، وتحققوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة، وصدق المراقبة، ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات، ومحاسبتها في الخطرات واللحظات، فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته. 




وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته، ولقد أصبح الروتين اليومي في كل بيت الآن إلا ما رحم الله من العباد ولقد انتشر وعم الفساد في الأرض حتي أصبحنا نراه ليلا ونهارا بدون حياء أو خشية وكأنه لا يوجد وازع ديني أو أخلاقي علي الأرض الآن وإن تزايد معدلات انتشار الفساد بأشكاله المختلفة في مجتمعاتنا العربية بشكل مبالغ فيه، ما يدل على أننا تجاوزنا الحكمة أو الصواب في تسيير حوائجنا، وأدرك الخلل آلية التقدم والرقي، ولم تسلم المؤسسة الدينية من شرر نار الفساد الذي استشرى في مفاصل الحراك المجتمعي، حتى بات العائق الأول أمام النهضة الشمولية في أي مجتمع ينشد البناء الحضارى، فكل فاسد يقرب عددا من علماء الدين إلى حاشيته لقيمة الدين الفطرية في نفوس الناس وتأثرهم به، وقد يظهر إحترامه للرموز الدينية، ويحرص على الظهور الإعلامي معهم في المناسبات المختلفة، لكسب تعاطف الجماهير.




وهو في الحقيقة من أشد مناهضي الصلاح والإصلاح، والفساد الديني دائما يتبع الفساد السياسي فلا المؤسسة الدينية مستقلة في قراراتها عن المؤسسة السياسية، ولا الأخيرة تستطيع مزاولة مهامها من دون الحصول على الغطاء الشرعي، كبديل عن الغطاء الشعبي، وبالتالي يفسد الدين، ويستشرى الفساد في ثنايا العقل والروح، ولن يقضى على مظاهر الفساد في المجتمعات الإسلامية إلا من خلال منظومة ضوابط مناهضة لكل أشكال الفساد في إطار القانون، وسن التشريعات التي تخفف من تغلغل ذلك الفساد في تفاصيل حياتنا، وتأتي هذه الآية في سورة آل عمران بعد الحديث عن ميلاد نبى الله عيسى عليه السلام وطبيعته، وأنه عبد الله، خلقه من تراب كما خلق آدم عليه السلام فلا يستقيم لأهل الكتاب أن يتخذوا غرابة ولادته دون أب ذريعة لرفعه عن مرتبة البشر إلى درجة الألوهية، فختم الله سبحانه وتعالى هذا الحديث بتلك الآية التي يقرر فيها إجمالا ما قرره سابقا تفصيلا.



وهو حقيقة التوحيد لله عز وجل، وإن الله سبحانه وتعالي هو المتفرد بالعبودية والألوهية، وأنه إذا تولى أهل الكتاب عن تلك الحقيقة بعد بيانها، فإن الله عز وجل عليم بهم، لكن العجيب في الآية الكريمة، والذي يستحق أن نتوقف عنده كثيرا هو التعبير بالمفسدين في قوله تعالى " فإن الله عليم بالمفسدين" فقد كان يستقيم أن يقول بالمشركين، أو بالظالمين، أو بالفاسقين، ونحو ذلك، ولكن التعبير بالمفسدين يضيف معنى زائدا، لم يكن ليتقرر بغيره من التعبيرات، وهو أن المشرك مفسد في الأرض، وأن الشرك فساد في الأرض، وأن الأرض ضائعة مطموسة بالفساد والهلاك في ظلال الشرك، وهذا المعنى هو المنصوص عليه في قوله تعالى " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" فعلى أحد التفسيرين، الكون يفسد بإتخاذ آلهة مع الله، والسموات والأرض لا تقومان ولا تنصلحان وفيهما الشرك، وكيف لا " وله أسلم من فى السموات والأرض طوعا وكرها" 



فكيف يكون كل من فيهما قد أسلم لله، ثم يأتي البشر بالشرك، فتنصلحان له؟ وكيف لا، وقد خلقهم الله لعبادته، فعبدوا غيره، وكيف لا، وقد خلقهم ورزقهم، وله مُلك كل شيء، فقالوا ليس له أن يحكمنا في ملكه، بل يحكمنا بشر؟ إلا أن هذه الآية، وإن كانت قد وضعت أيدينا على مواطن الفساد، فإنها أيضا قد وضعتها على موطن الإصلاح، وهو أن يكون الكون كله لله، والدين كله لله، ولا حكم إلا لله، وهذا هو أساس الإصلاح، وهو إصلاح الفرد، والمجتمع، بل والكون كله، فإنه لا قوام إلا بالرجوع إلا المنبع الأول، إلى المعين الصافي، وليس ذلك الرجوع رجوعا إلى مجرد قراءته، بل ولا مجرد الخشوع والبكاء، بل ولا مجرد تدبره وفهم معانيه، بل بكل ذلك مشفوعا بالعمل، معتقدين أنه الطريق الوحيد للإصلاح، هذا هو الذي نجا به الجيل الفريد، ومُكن له به في الأرض، وهو الذي لا نجاة لنا إلا به، وإلا فالقرآن الكريم هو هو، والدين لم يتغير، ومع ذلك صاروا سادة الدنيا. 



وصرنا أذلةَ البشر، وأحط أممهم في كل النواحي تقريبا، فالفرق إذن في إعمال ذلك الكتاب، وتلك الشريعة، وجعلهما منهج الحياة، وإن مما أفادته هذه الآية بوضوح هو خطأ من ظن أن الإصلاح يأتي أولا، ثم تأتي الشريعة، وكأنها زينة وأعلام تعلق ابتهاجا بحصول الإصلاح، وذهاب الفساد، فإنها معادلة بسيطة، طرق الفساد كثيرة، وطريق الإصلاح واحد، هو منهج رب العالمين، فإن العذاب يضاعف للمفسدين جزاء ما تعدى فسادهم في أنفسهم إلى إفسادهم لغيرهم كما جاء فى سورة النحل فى قوله تعالى " الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب بما كانوا يفسدون" وهل بعد ذلك من خسران؟ أبدا، فقال تعالى فى سورة البقرة " الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون"

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا