news-details
مقالات

إصبع على الجرح ... في بغداد.. ما بين الرعب والسعادة

 ..
بقلم: منهل عبد الأمير المرشدي ..
حبيبتي بغداد.. تلك الفاتنة التي تنام على وسادة التاريخ وتصحو على أحلام الغد وتمشط ظفائرها على همسات ذكريات العشاق والأحبة . زرتها مؤخرا فكنت كمن يتجول في لوحة سريالية ألوانها زاهية تسر الناظرين وظلالها داكنة تفيض في شغاف الأرواح . بين أروقة الثقافة في بيت الجواهري ومحاضرة الدكتور محمد حسين ال ياسين وجلسات ثقافية في نادي الصيد والمنتدى البغدادي والبيروتي وبين النهضة العمرانية التي تفرض نفسها على الواقع . عشت صراعا وجوديا بين عشق الانتماء وصدمة الواقع . وجدت في بغداد التي اعشقها نهضة تتفوق على الجوار لا يمكن لعين منصفة أن تغفل عن التطور العمراني الهائل الذي تشهده بغداد . لقد تجاوزت المدينة فكرة التعافي لتدخل في مرحلة  التحدي فالمرافق السياحية التي رأيتها لا تمثل مجرد وجهة للتسوق بل هي قفزة نوعية في عالم الترفيه تتخطى في روعتها وتصميمها ومرافقها كل ما هو موجود في دول الجوار . تجولت في شوارعها ؛  حضرت نشاطات ثقافية تعكس عمق الوعي العراقي وشعرت بفخر لا يوصف ونحن نتحدث برفقة زملائي د عبد المنعم العيساوي والسيد عادل العرداوي عن هذه البغداد الجديدة التي كنا نتمناها حامدين الله على نعمة الإعمار والجمال . ولكن وآه من هذه اللكن التي تهدم ما بناه الأمل ففي طريق العودة من مول العراق وتحديدا في المنطقة المؤدية إلى الجسر المعلق من جهة الجادرية وبينما كانت أجواء الفرح تغمرنا إنشق صمت الطمأنينة بصوت مرعب لصافرات إنذار لا تهدأ . موكب من السيارات السوداء (تاهو) لا يعد ولا يحصى انقضّ على الشارع كأنه جيش في ساحة معركة . لم تكن الصافرات وحدها هي المرعبة بل تلك الأصوات المنبعثة من مكبرات الصوت بلهجة استعلائية صد منها انك الاصوات بلغة فجة (( اطبگ... أطبگ.. دا أگلك أطبگ أبويه.. بسرعة..  اطبگ!!!)) في تلك اللحظات تحول المشهد من مدينة متحضرة إلى غابة يحكمها الترهيب . الرعب الذي انتاب الأطفال والكبار لم يكن له مبرر سوى مرور مسؤول !!! تسائلنا بهلع لمن هذا الموكب ؟ ولأي مسؤول مسعول ؟! تضاربت الإجابات ؛ رئيس وزراء سابق أو حالي أو الجديد؛ أو رئيس برلمان حتى انتهى بنا المطاف بسؤال شرطي مرور أجاب بحيرة (( شمدريني ..يمكن خميس الخنجر، والله أعلم)).أسئلة في مهب الكرامة سواء كان المار سين من الناس أو صاد يبقى السؤال الجوهري هل هذا المسؤول مواطن من هذا الشعب أم عدو له ؟؟؟ إن أساس الحياة السعيدة هو الأمان قبل الأمن ، هو شعور الفرد بأن الدولة تحميه وتحفظ كرامته لا أن تدهس هيبته تحت عجلات سياراتها المصفحة واصوات التحذير المنكرة . أين القانون الذي يتغنى به رجال القانون ؟؟أين الدولة التي يزعم البناة تشييدها ؟؟؟ ما الذي يمنع أي مسؤول كان من الالتزام بإشارة ضوئية والسير كما يسير باقي البشر الطبيعي وسط أهله ؟ ايه واحسرتاه ايتها البغداد المظلومة دائما فتلك اللحظات القليلة من عربدة السلطة كانت كفيلة بأن تجعل ذاكرتي تتقيأ كل اللحظات الجميلة . تلاشت صور اللقاءات الأدبية وتبخرت أحلام العودة والاستقرار في وطني وبغدادي الحبيبة . لقد أيقنت بمرارة أن بغداد رغم بريق زجاج مولاتها وعلو بناياتها لا تزال مظلومة منكوبة مسلوبة .. ليس من قبل عدو خارجي بل من قبل مواكب يعتقد اصحابها بأن هيبتهم تكمن في ترهيب الناس بينما الحقيقة أن هيبتهم وهيبة الدولة تبدأ من احترام أبسط مواطن في الشارع واحترام القانون.. بقي أن نقول إن المباني والجسور مهما بلغت روعتها تبقى جدرانا صماء إن لم يملأها الشعور بالكرامة والسكينة . من حقك كعراقي وكإنسان أن تطمح لوطنٍ يعاملك فيه القانون كـمواطن لا كـعائق طريق لموكب مسؤول . أيا كان هذا المسؤول ...

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا