بناء المساجد وعمارتها
بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد أمرنا الإسلام ببناء المساجد وعمارتها وأن أهم الأعمال الصالحة التي تؤدى في المساجد صلاة الجماعة، وقد رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث عديدة تأمر بصلاة الجماعة وتبين فضلها، فمن الأحاديث التي تبين وجوب صلاة الجماعة ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيها لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حُزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" فهذا التهديد بالتحريق يدل على أن من ترك صلاة الجماعة فهو آثم، وهذا يدل على الوجوب لأن المستحب لا يعاقب تاركه، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال "أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد.
فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال "هل تسمع النداء بالصلاة؟ فقال نعم، قال "فأجب" رواه مسلم، فهذا يفيد بأن من سمع الأذان لا يعذر بترك الصلاة مع الجماعة في المسجد، وهذا دليل على الوجوب لأن المستحب لا يُلزم المسلم بفعله، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رُفعت له بها درجة، وحُط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة" رواه البخاى ومسلم، وفي رواية أخرى لهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" رواه البخارى ومسلم.
ولقد كان تأثر المسلمين بهذه الأحاديث والآثار وأمثالها شديدا، ومواظبتهم وحرصهم على حضور الجماعات في المساجد مستمرة على مدى الزمان، فالوظيفة الأولى للمساجد هي أنها أماكن عبادة، فيها يؤدي المسلمون صلواتهم وجُمعهم أو جماعاتهم، ويقرءون القرآن ويذكرون الله تعالى، وعمارة المساجد تعني تشييدها وإقامتها وبنيانها، وبالتالي عمارتها بالعبادة والاجتماع فيها للجماعة، وبقراءة القرآن والذكر، والاعتكاف وهذا هو المعنى الأهم في العمارة، وإن مهمة المساجد هي أن الله تعالى أذن أن ترفع بيوته بتعظيمها، ورفع شأنها بالتقديس والتطهير وإقامة الشعائر الدينية فيها بعد رفع قواعدها وبنيانها، وذكر الله فيها عام يشمل الصلاة نفسها، والأذان، وقراءة القرآن، والتسبيح، والدعاء، والتضرع إلى الله تعالى، ولذا حث الدين الإسلامي على إرتياد المساجد وحضور الجماعة فجعل ممن يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله من كان قلبه معلقا بالمساجد، أي بالتردد عليها.
وإقامة الصلاة فيها وعمارتها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه" وإن الذهاب إلي بيوت الله لتأدية الصلوات له منزلة عظيمة وثواب جزيل أعده الله عز وجل لعباده المصلين، فعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من غدا إلى المسجد وراح، أعد الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح" وكل هذا لما فيه من اتصال العبد المؤمن بخالقه جل وعلا، ولما فيه من القوة الروحية التي يفتقر إليها الإنسان، واستمرار الصلاة في المسجد إمداد للجماعة الإسلامية بالقوة التي لابد منها لإصلاح المجتمع.
إلى جانب هذا تشتمل الصلاة على عدة أسرار وحكم بالغة، حيث تتكرر خمس مرات يوميا لتكون حماما روحيا للمسلم يتطهر بها من غفلات قلبه وأدران خطاياه، وليس أثر الصلوات مقصورا على جانب واحد فقط، بل هناك عدة جوانب منها النفسي، والجسمي، والعقلي، فمناجاة العبد ربه، والتذلل إليه، واعترافه بخطاياه، وطلب العفو والمغفرة، وترك الدنيا جانبا عند الدخول إلى المسجد أمور تدخل إلى النفس طمأنينة وراحة، وإن مفتاح الصلاة الطهور، فقال تعالى "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين، وإن كنتم جنبا فاطهروا" وهكذا فإن اشتراط التطهر للصلاة في الثوب والبدن والمكان أمر لا تتم الصلاة إلا به، وفي هذا من النظافة ما يجلب الصحة للإنسان.
التعليقات الأخيرة