news-details
مقالات

قانون الأسرة الجديد هندسة تشريعية لصون الكيان الوطني

كتبت /منى منصور السيد 
جاءت موافقة مجلس الوزراء مؤخراً على مشروع قانون الأسرة الجديد لتضع حجر الزاوية في بناء مجتمع مصري أكثر توازناً واستقراراً، تنفيذاً لتوجيهات القيادة السياسية بضرورة صياغة تشريع متكامل يحمي الأسرة ويصون حقوق أفرادها. إن هذا المشروع ليس مجرد تعديل قانوني عابر، بل هو رؤية شاملة تستلهم روح الدستور ومبادئ الشريعة الإسلامية، لتعيد صياغة العلاقات الإنسانية في إطار من المودة والرحمة والعدالة الناجزة.
ولعل القيمة الحقيقية لهذا القانون تكمن في قدرته على جمع شتات مسائل الأحوال الشخصية في وثيقة تشريعية واحدة، مما ينهي عقوداً من التخبط بين قوانين متفرقة. إن الالتزام بنص المادتين الثانية والعاشرة من الدستور، مع تكريس حق المساواة وحماية المرأة من أشكال العنف كافة وفق المادة الحادية عشرة، يعكس إرادة الدولة في بناء سياج آمن حول الأسرة المصرية باعتبارها النواة الأولى لنهضة الوطن.
وتتجلى حكمة التشريع في استحداث ملحق لعقد الزواج يتضمن الاتفاق المسبق على مسكن الزوجية والمسائل العائلية الجوهرية، مع منحه قوة السند التنفيذي. هذا الإجراء يمثل ثورة في فلسفة التقاضي، إذ يمنح الزوجة والأبناء أماناً مستداماً ويمنع تحول الطلاق إلى رحلة من الشتات والضياع، خاصة في قضية السكن التي طالما كانت منبعاً للأزمات الإنسانية والقانونية.
وفي سياق متصل، تبرز وثيقة التأمين للمقبلين على الزواج كأداة توعوية وحمائية، تهدف إلى تبصير الطرفين بمآلات الانفصال وضرورة تحكيم العقل والإصلاح، بعيداً عن الإجراءات الورقية الروتينية التي كانت متبعة سابقاً. إن هذا التوجه يعزز من فرص استمرار الحياة الزوجية ويقلل من نسب الطلاق المتزايدة، خاصة بين جيل الشباب الذي يحتاج إلى وعي حقيقي بأبعاد المسؤولية الأسرية.
أما قضية الرؤية، فقد عالجها القانون بنظرة إنسانية ثاقبة، متجاوزاً الممارسات السابقة التي كانت تجري في أماكن لا تليق بكرامة الأب أو الطفل. إن إفساح المجال لبيئة تسمح بالتواصل الفعال والعميق بين الوالدين وأطفالهم، مع وضع اعتبار لقرار الطفل ورأيه، يضمن تنشئة جيل سوي نفسياً وقادر على مواجهة تحديات المستقبل، بعيداً عن صراعات الكبار وتصفية الحسابات الشخصية.
ولم يغفل المشروع الجانب الاقتصادي والتقني، حيث استمر في إعفاء دعاوى النفقات من الرسوم القضائية، دعماً للمرأة المعيلة، مع دمج وسائل التكنولوجيا الحديثة في الإعلانات القضائية والربط الإلكتروني بين المحاكم وصندوق دعم الأسرة. هذا التحول الرقمي يضمن سرعة الفصل في القضايا، لا سيما مسائل الولاية على المال، ويغلق الثغرات التي كانت تستغل لإطالة أمد التقاضي.
إن شمول القانون لحقوق ذوي الإعاقة، وإدراج لغة الإشارة في عقود الزواج والطلاق، يؤكد أننا أمام تشريع عصري يحترم التنوع الإنساني ويلبي متطلبات المجتمع كافة. إن الكرة الآن في ملعب البرلمان المصري للاستماع بإنصات لصوت الشارع وسد كافة الثغرات، ليخرج هذا القانون معبراً عن حلم الأسرة المستقرة، التي هي أساس قوة الدولة المصرية ومستقبلها المشرق.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا