news-details
مقالات

إصبع على الجرح .. في دهاليز ال خطية

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي ..
في قاموس المچتمع العراقي من المفردات ما حيّر علماء اللغة العربية  ابتداء من الفراهيدي وسيبويه ومرورا بأبو حيان والسيوطي وانتهاء بالدكتور أحمد أمين  والدكتور مصطفى الجواد . في كل لغات العالم يكون للكلمة معنى واحد أو اثنين إلا في العراق فالكلمة عندنا مطاطية تمتد لتغطي كل التناقضات . ومن بين أغرب هذه المفردات تبرز كلمة (خطية). هذه الكلمة التي بدأت كدليل على الشفقة تحولت في لسان العراقيين إلى جوكر يُستخدم في المدح والذم والحسد والتهنئة وحتى في تحليل السياسة الخارجية  !!! ولأجل ان نشهد بعض التطبيقات العملية في الخطية العراقية علينا مراقبة يومياتنا سنجد أن (الخطية) تلاحقنا من المهد إلى اللحد ولا تترك لنا مجالا لنكون طبيعين كباقي الخلق  . إذا رأى العراقي طفلا نابغة يعزف البيانو باحتراف يضرب الكف بالكف تعجبا ويقول ( خطية شلون يعزف ) . هنا الخطية تعني أن الولد سحره بجمال عزفه لكنه في نفس الوقت ربما يشفق عليه لأنه قد يُحسد أو ربما لأنه أتعب أصابعه الصغيرة ! جيراننا اشتروا  (تاهو) زيرو  فتقول الوالدة خطية بيت ابو محمد اشتروا سيارة تاهو . لماذا خطية؟  لست ادري هل السيارة مفخخة؟ لا لكنها خطية ربما لأنهم دفعوا دفاتر من الدولارات .. إذا عمل أحدهم رجيم وضعف وزنه يقال عنه خطية (انمسح مسح). وإذا ساءت قليلا صحته يقال أيضاً (خطية ماله خلگ). أنت في الحالتين ضحية في نظر المجتمع العراقي .  الناجح خطية والراسب خطية  وخطية نجح عمليته وخطية مات !! حتى العريس في ليلة عرسه تجد صديقه المقرب يهمس للآخر والله خطية تورط وراح تبدي المشاكل ) . والمفارقة أن الصديق نفسه يقول عن  العازب (خطية هذا صار كبير شوكت يتزوج ) !! نحن الشعب الوحيد الذي يرى في النجاح ورطة تستوجب الشفقة وفي الفشل قدرا يستحق الخطية . إنها كلمة سحرية ترفع الضغط وتدغدغ المشاعر في آن واحد! وإذا انتقلنا من خطية الأفراد إلى خطية الأوطان والسياسة فالمأساة تتحول إلى ملهاة سوداء تليق بوضعنا الذي لا يحسد عليه فمثلا حكومتنا خطية بامتياز .. فهي تعيش في عالم الاحلام ولا تعلم أو تتغابى بأن هناك قاعدة إسرائيلية في النخيب ! !! ورئيس وزارئنا خطية انلاصت عليه !! وحكومتنا حقا خطية فهي في حيرة من أمرها ؛ تريد أن تختار رئيس وزراء يفصلونه على قياس ترامب ليرضى عنها  قبل أن تفكر حكومتنا خطية في رضا الشعب العراقي او المرجعية الدينية العليا أو حساب الجارة إيران . وحكومتنا الكريمة خطية جدا وقلبها رهيف ومشاعرها جياشة خطية ترسل نفطنا ومساعداتنا (غصباً ما عليها) لأنظمة التطبيع في مصر والأردن بينما المواطن العراقي يبحث عن خطية واحدة تنقذه من طوابير الغلاء وإزمة السكن . أما نحن شعب العراق فخطية في خطية في خطية ضاعت علينا المشية وتداخلت عندنا المفاهيم وكلما تخلصنا من فاسد جائنا أفسد خطية حتى تهنا وما عدنا نعرف الرأس من القدم خطية ولا المنافق من الصادق ولا الصديق من العدو خطية وكثرت الأرباب وتعددت فيالق المستعبدين خطية .. والساتر الله ..

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا