( ملاك ولكن بلا رحمة)
داخل مستشفى لا ينام… وطاولةٍ يُعدّ فوقها ثمن الأجساد، تبدأ مواجهة صامتة بين طبيب يؤمن بالحياة… وآخر يرى الموت أكثر رحمة.
قصة قصيرة
( ملاك ولكن بلا رحمة)
لم يكن في الغرفة سوى صوت جهازٍ طبيٍّ يقطع الصمت بإيقاعٍ بارد… منتظم… كأنه يعدّ ما تبقّى من حياة.
كان “سرحان” مستلقيًا، لا يقاوم، لا يطلب، لا يشتكي.
جسده هناك… لكن حضوره يتلاشى مع كل نفسٍ يخرج بصعوبة من صدره.
عيناه نصف مفتوحتين، تتنقلان بين وجه الطبيب والسقف الأبيض.
كأنهما تبحثان عن تفسيرٍ أخير… أو مخرجٍ أخير.
اقترب الدكتور حازم بخطواتٍ هادئة، محسوبة، لا تحمل ترددًا ولا شفقة ظاهرة.
شبك أنامله حول أنبوب المحلول، وضبط الجرعة دون أن ترتجف يده.
السائل بدأ يسير في العروق كضيفٍ ثقيل غير مرحب به.
توقف لحظة.
نظر إلى المريض.
لم يكن في عينيه قسوة صريحة… ولا رحمة صافية.
كان شيء ثالث… أبرد من الاثنين.
انحنى قليلًا وقال بصوت منخفض:
– لن يطول الأمر.
لم يرد سرحان.
لكن جفنيه ارتخيا ببطء… كأن جسده وافق نيابةً عنه.
وانتهى كل شيء.
دوّن الوقت.
أُغلقت الورقة.
وانتقل الاسم إلى قائمةٍ حالات الوفاة.
لكن المستشفى لم يتوقف.
في الغرفة الأخرى…
كان الألم مختلفًا.
“هند” كانت تقاتل… لا بالصوت، بل بالجسد كله.
تقبض على بطنها كأنها تحاول حبس الألم داخلها كي لا يخرج.
وجهها شاحب، ملامحها منهكة حتى كأن الحياة نفسها انسحبت منها ببطء.
إلى جوارها جلس الدكتور فؤاد.
يمسك يدها… لا كطبيب فقط، بل كمن يخشى أن يفقد إنسانيته معها.
قال بصوت منخفض:
– ما دام فيك نفس… فهناك أمل.
لم تجبه.
لكن عينيها قالتا كل شيء:
لم تعد تسأل عن الأمل… بل عن كمّ الألم المتبقي.
ابتسامة خفيفة مرت على شفتيها… ليست فرحًا، بل استسلامًا هادئًا.
طرقٌ على الباب.
ثم دخل الدكتور حازم.
نظر إلى المشهد بسرعة، ثم ثبت عينيه على فؤاد.
قال بنبرة هادئة تحمل استفزازًا خفيًا:
– ما زلت تختار الطريق الأطول؟
لم يرفع فؤاد عينيه عنه، وقال:
– أنا أختار الطريق الذي لا نقرر فيه بدلًا عنهم.
اقترب حازم خطوة.
نظر إلى هند… ثم قال بهدوء قاتل:
– أحيانًا… الرحمة ليست في الإبقاء على الألم حيًا.
اشتدت يد فؤاد على يد المريضة.
– والرحمة ليست في إنهاء حياة لم يحن وقت نهايتها.
صمت قصير.
كأن الغرفة بأكملها تحبس أنفاسها.
قال حازم أخيرًا:
– عندما يصبح الألم أعلى من قدرة الإنسان على احتماله… يصبح الصمت نفسه صراخًا.
اقترب أكثر من الباب، ثم أضاف دون أن ينظر إليهم:
– المشكلة ليست في الموت… المشكلة في الطريق إليه.
ثم خرج.
بقي فؤاد وحده.
ينظر إلى هند.
ويدها في يده بدأت تضعف.
ولأول مرة… لم يكن متأكدًا إن كان يتمسك بها… أم يتمسك بفكرته عن الصواب.
في الخارج…
كان المستشفى يعمل كعادته.
خطوات، نداءات، أجهزة، وأرواح تتأرجح بين البقاء والانطفاء.
لكن في مكانٍ آخر… بعيد تمامًا عن المستشفى…
كان هناك عالمٌ آخر.
قصرٌ ضخم يتوسطه تمثال رأس أسد أفريقي يحدق في الفراغ كأنه يحرس سرًا قديمًا.
داخل المكتب…
مساحة أكبر من بيت كامل.
جلس الدكتور حازم أمام طاولة ثقيلة، يمرر بين أصابعه رزمة من الدولارات.
ورقة… تلو الأخرى.
صوت احتكاك الأوراق هو الشيء الوحيد الحي في الغرفة.
رفع فخرى باشا حاجبه وقال مبتسمًا:
– ألا تمل من العد؟
لم يرفع حازم عينيه، وقال بهدوء:
– أنا لا أعد المال… أنا أستمتع به.
ضحك فخرى بخفة:
– متعة؟
– نعم.
توقف لحظة ثم أضاف:
– كل عملية تمر بيننا… لها طعم مختلف في العد.
سكت فخرى قليلًا، ثم قال:
– ومتى البضاعة الجديدة؟
لم يتوقف حازم عن العد:
– بعد الساعة السادسة صباحا.
– لماذا هذا التوقيت؟
رفع عينيه أخيرًا وقال بهدوء:
– حتى تكون الجثة قد انتهت من كل طقوسها… الغسل… التكفين… وتصبح جاهزة لما نحتاجه.
ابتسم فخرى بسخرية خفيفة:
– من يراك الآن… لا يصدق أنك كنت شيئًا آخر قبل عشر سنوات.
توقف حازم عن العد.
وضع الأوراق ببطء.
ثم قال:
– أنت السبب يا فخرى باشا… أنت من فتحت الباب.
هز فخرى رأسه:
– لا… الباب كان مفتوحًا داخلك.
صمت قصير.
ثم تابع:
– أنا لم أخلق الانحراف فيك… أنا فقط أشرت إليه.
طأطأ حازم رأسه قليلًا وقال بصوت خفيض:
– كفى.
أعاد فخرى بعض الأوراق إلى مكانها، ثم قال:
– متى أستلم القرنية ؟
– بعد السادسة كما قلت.
– والعملية القادمة؟
ابتسم حازم:
– تلك ليست تحت سيطرتى.
رفع فخرى حاجبه:
– لماذا؟
– لأن الحالة تخص الدكتور فؤاد.
سكت فخرى لحظة.
ثم قال:
– إذًا… اشتريه.
ضحك حازم:
– الطبيب ليس سلعة.
اقترب فخرى قليلًا، وقال ببرود:
– كنت أنت أيضًا لست سلعة… والآن أنت تشتري وتبيع.
توقف لحظة.
ثم أضاف جملته الأخيرة بتشفى و بطء:
– أنتم جميعًا… ملائكة… ولكن بلا رحمة.
ثم ساد صمت قاتل.
قطع ذلك الصمت همس حازم:
في المستشفى…نبيع الرحمة
وفي القصر…نقبض الثمن
وفي المسافة بينهما…تضيع القيم
انتهت
التعليقات الأخيرة