news-details
منوعات

رأي في شورى بلقيس د. محمد علي عطا

رأي في شورى بلقيس  
                                                                                              د. محمد علي عطا
يُضرب المثل بشورى بلقيس؛ اعتمادًا على ما قصَّه القرآن الكريم من قصتها مع قومها، ولم يخالف في ذلك أحدٌ من المفسرين حسب اطلاعي، ولكن بالتأمل الدقيق لألفاظ القرآن الكريم في هذه القصة، اتضح لي فيها رأيٌ أسوقه مُدلَّلًا على النحو التالي.
أولا: تفسير الآيات: ذُكِر في سورة النمل قصة الهدهد وسيدنا سليمان عليه السلام وملكة سبأ؛ بلقيس، وجاءت في الآيات(20-37)، قال تعالى:  وَتَفَقَّدَ الطَّيرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الهُدهُدَ أَم كَانَ مِنَ الغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَو لَأَذبَحَنَّهُ أَو لَيَأتِيَنِّي بِسُلطَانٍ مُّبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَم تُحِط بِهِ وَجِئتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدتُّ امرَأَةً تَملِكُهُم وَأُوتِيَت مِن كُلِّ شَيءٍ وَلَهَا عَرشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدتُّهَا وَقَومَهَا يَسجُدُونَ لِلشَّمسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعمَالَهُم فَصَدَّهُم عَنِ السَّبِيلِ فَهُم لَا يَهتَدُونَ (24) أَلَّا يَسجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخرِجُ الخَبءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَيَعلَمُ مَا تُخفُونَ وَمَا تُعلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ العَرشِ العَظِيمِ ۩ (26) ۞ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقتَ أَم كُنتَ مِنَ الكَاذِبِينَ (27) اذهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلقِه إِلَيهِم ثُمَّ تَوَلَّ عَنهُم فَانظُر مَاذَا يَرجِعُونَ (28) قَالَت يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِن سُلَيمَانَ وَإِنَّهُ بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعلُوا عَلَيَّ وَأتُونِي مُسلِمِينَ (31) قَالَت يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفتُونِي فِي أَمرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمرًا حَتَّى تَشهَدُونِ (32) قَالُوا نَحنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأسٍ شَدِيدٍ وَالأَمرُ إِلَيكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأمُرِينَ (33) قَالَت إِنَّ المُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَريَةً أَفسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهلِهَا أَذِلَّةً  وَكَذَلِكَ يَفعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرسِلَةٌ إِلَيهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرجِعُ المُرسَلُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَل أَنتُم بِهَدِيَّتِكُم تَفرَحُونَ (36) ارجِع إِلَيهِم فَلَنَأتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخرِجَنَّهُم مِّنهَا أَذِلَّةً وَهُم صَاغِرُونَ (37).
وذكر الإمام الطبري(19/378) والطاهر بن عاشور ( 19/263) في تفسير هذه الآيات أن سليمان تفقد الطير لأمر عرَض له في سفر احتاج معه الهدهد ليدله على مواضع الماء، أو لغير ذلك من الأسباب، ولما لم يجده توعده بأن يعذِّبه بنتف ريشه وتركه في الشمس، وإما الذبح، واستثنى أن يأتيه بسبب مقنع لتغيبه، وبعد مرور وقت قليل ظهر الهدهد، ولما سأله عن سبب تغيبه أخبره الهدهد بأنه علم مالم يعلمه سليمان، ورأى ملكة ومملكة في سبأ عندها من كل عُدَّة الممالك من سرير مُلكٍ، وعَدد وعُدَّة وخيرات، وخصَّ سرير الملك من النعم؛ لأن سليمان لم يكن يملك مثله، فشمل وصف الهدهد "أُصُولَ الجُغرَافِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ مِن صِفَةِ المَكَانِ وَالأَديَانِ، وَصِبغَةِ الدَّولَةِ وَثَروَتِهَا"، وكان سليمان يظن أنه الملك الوحيد على الأرض وكان مع ذلك يتمنَّى الجهاد في سبيل الله؛ لذلك وقعت حجة الهدهد موقع الرضا من نفس سليمان، ثم وصف له دينهم رغم هذه النعم وهي السجود للشمس من دون الله، وقد سيطر عليهم الشيطان وصدهم عن سبيل الله تعالى وزين لهم عملهم، واستنكر الهدهد ذلك منهم وكان الأولى أن يسجدوا للذي ينزل المطر من السماء ويخرج الحب من الأرض، وسائر الأرزاق، فهو الجدير بالعبادة.
ورد عليه سليمان بأنه سينظر في أمره وهل هو صادق أم لا، وذهب الهدهد بكتاب سليمان وألقاه إليها، وتولى ليسمع ما تفعل وما تقول فسمع كلامها لقومها وردودهم عليها، وكانت بلقيس أحد أبويها من الجن لذلك كان مؤخَّر أحد قدميها مثل حافر الدابة.
وعرضت الكتاب على قومها وفوَّضوها باتخاذ القرار، وذكَّروها بقوتهم وبأسهم، وكان مجلسها يتكون من عدد كبير من صغار الملوك (الأقيال)، فردت عليهم بأن الملوك إذا دخلوا مدينة عَنوة أفسدوها واستذلوا الوجهاء فيها، وأفسدوها، وأكد الله قولها، وفضَّلت أن تختبر سيدنا سليمان وهل هو ملك يرضى بالهدايا أم نبي لا يرضى إلا بالإسلام لله. 
وأرسلت له بهدية عبارة عن غِلمان ألبستهم لباس الجواري، وجوارٍ ألبستهم لباس الغلمان؛ لتختبره، ولكنه عرفهم، وأهدت له صفائح الذهب في أوعية الدَّيباج، ولكنَّه أمر الجن فموَّهوا له الآجُرَّ (الحجارة من الطين) بالذهب فرأوه في طريقهم فاستقلوا ما معهم من ذهب فلم يقدموه له.
ولما رأى سليمان الهدايا سأله مستنكرا تمدونني بما عندي منه ما يفوق ما عندكم ولا حاجة لي بهذه الدنيا وما فيها إنما تفرحكم أنتم كنوزها، أما أنا فلا تشغلني؟ وطلب من الرسول الرجوع، وتوعدهم بالجنود الذين لا قبل لهم بها.
ثانيًا: رأيي في شورى بلقيس:
غالب المفسرين- فيما اطلعت- لم يقف عند شورى بلقيس تحديدًا ورأيه فيها، بل فسر الآيات جُملة، وقليل من وقف عندها معلِّقًا مثل: الطاهر بن عاشور رحمه الله (19/263) الذي قال:" وصيغةُ كُنتُ قاطعةً تُؤذنُ بأنَّ ذلكَ دأبُها وعادَتُها معهُم، فكانت عاقلةً حكيمةً مُستَشِيرةً لا تُخاطرُ بالاستبدادِ بمصالحِ قومِها ولا تُعرِّضُ مُلكها لِمَهَاوِي أخطاءِ المُستبِدِّين. والأمرُ في ما كُنتُ قاطعةً أمراً هُو أيضًا الحالُ المُهِمُّ، أي أنَّها لا تقضي في المُهِمَّاتِ إلَّا عن استِشارتِهِم".
وقال أيضًا (19/264): "وفي قولها: حتَّى تشهدُون كنايةٌ عن معنى: تُوافقُوني فيما أقطعُهُ، أي يصدُرُ منها في مقاطع الحُقُوقِ والسِّياسةِ: إمَّا بالقولِ كما جرَى في هذه الحادثةِ، وإمَّا بالسُّكُوتِ وعدمِ الإِنكارِ لأنَّ حُضُور المعدُود للشُّورى في مكانِ الاستشارةِ مُغنٍ عن استشارتهِ إذ سُكُوتُهُ مُوافقة... وليس في هذه الآيةِ دليلٌ على مشرُوعيَّةِ الشُّورى لأنّها لم تحك شرعا إليها ولا سِيق مساقَ المَدحِ، ولكنَّهُ حكايةُ ما جرَى عندَ أُمَّةٍ غيرِ مُتديِّنةٍ بوحيٍ إلهِيٍّ غيرَ أنَّ شأن القُرآنِ فيما يذكُرُهُ من القصصِ أن يذكُرَ المُهِمَّ منها للموعظة أو للأُسوةِ كما قدَّمناهُ في المُقدِّمةِ السَّابعةِ. فلذلك يُستَروَحُ من سِياقِ هذهِ الآيةِ حُسنُ الشُّورى".
وقال القرطبي (13/193) قال: "فأخذتْ في حُسن الأدب مع قومها، ومشاورتهم في أمرها، وأَعْلمتهم أن ذلك مطَّرد عندها في كل أمرٍ يعرض، ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون فكيف في هذه النازلة الكبرى، فراجَعَها الملأ بما يُقر عينها، من إعلامهم إيَّاها بالقوة والبأس، ثم سلَّموا الأمر إلى نظرها؛ وهذه محاورةٌ حسنةٌ من الجميع".
وقال أيضًا بعد النص السابق: "في هذه الآية دليلٌ على صحَّة المُشَاورة، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: وشاورهم في الأمر؛ إمَّا استعانةً بالآراء، وإمَّا مداراةً للأولياء...فهذه بلقيس امرأةٌ جاهلية كانت تعبد الشمس، قالت: "يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون"؛ لتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم...".
ونلاحظ من كلامهم رحمهم الله أمرين:
- أن الشورى هدفها أمران:" إما استعانة بالآراء، وإما مداراة للأولياء ". 
- أن الشورى يمكن أن تكون بالسؤال المباشر عن الرأي، أو بالقضاء في حضورهم دون اعتراض منهم.
- أن المفسرين لم يقفوا أمام الضمائر في هذه الآيات وما تدل عليه من دلالات، وليسوا مطالبين بذلك ولا ينقص منهم، إذ كانوا مشغولين بتفسير السورة كلها بل القرآن كله؛ لذا يصعب الوقوف عند دقائق الضمائر.
- أن الطاهر بن عاشور اعتمد على السياق العام واستروح منه مدح شورى بلقيس.
والذي أراه – وهذا رأي واجتهاد- أن شورى بلقيس كانت مداراة وليست شورى لأخذ الآراء ولا شورى شهود؛ لأن الأمر يتعلق بتغيير عقيدة راسخة عند قومها، وهذا الرأي يستند إلى مركوز لغوي يتضح من الضمائر واستخدامها في هذه الآيات، والتي أبانت عن مخبوء نفس بلقيس وواقع حال مملكتها، ويستند أيضًا إلى روابط تكميلية من أحداث التاريخ، تكمل الصورة، وتؤيد الرأي، وهذه الأدلة هي:
أولا: أنها منَّت على قومها بهذه الشورى، ومن كانت فيه صفةٌ سجيةً لا تكلُّفًا فإنه لا يشعر بها ولا يذكرها، كما قال الشاعر:
 
أَفسَدتَ بالمَنِّ مَا أَولَيتَ مِن نِعَمٍ  ...  لَيسَ الكَرِيمُ إِذَا أَسدَى بِمَنَّانِ
فلو كان لها مجلس شورى دائم ما كانت تحتاج لمثل هذه المقدمة ولهذا التذكير؛ فإن ذلك سيكون معلومًا بديهةً من واقع الحال ومن كثرة التكرار، فنحن لا نجد رئيس مجلس شورى مثلا يبدأ جلسته بالتذكير بأنه يستشيرهم ولا يستطيع أن يقضي أمرًا بدونهم.
 
 ثانيًا: أنها أثَّرت في رأي المستشارين ولم تكن حيادية في عرض القضية، بل صادرت رأيهم ابتداءً بوصف كتاب سليمان بأنه كريم (في حال تفسير الكريم بالحسن، وليس بالمختوم). فقد قال القرطبي (13/191): "ثم وصفت الكتاب بالكريم إما لأنه من عند عظيم في نفسها ونفوسهم فعظَّمته إجلالا لسليمان عليه السلام، وهذا قول ابن زيد. وإما أنها أشارت إلى أنه مطبوعٌ عليه بالخاتم، فكرامة الكتاب ختمه... وقيل: وصفته بذلك؛ لما تضمن من لين القول والموعظة في الدعاء إلى عبادة الله عز وجل، وحسن الاستعطاف والاستلطاف من غير أن يتضمن سبًّا ولا لعنًا، ولا ما يغير النفس، ومن غير كلام نازل ولا مستغلق؛ على عادة الرسل في الدعاء إلى الله عز وجل".
فالإجراء الأمثل أن تقرأ عليهم الكتاب وتترك لهم التقييم، أو أن يتشاوروا معًا في التقييم، لكنها سبقت برأيها ووصفت الكتاب بأنه كريم.
ثالثًا: أنها استخدمت ضمير المفرد في حديثها، فقالت: "أفتوني في أمري"، ولم تقل: "أمرنا"، وقالت: "أُرسل إليَّ"، ولم تقل: "أُرسل إلينا". رغم أن خطاب سليمان موجَّه لهم جميعًا: "أَّلا تعلو عليَّ وائتوني"، وليس واردًا أن يكون يدعوها وحدها بضمير التعظيم؛ لأن حديث الهدهد عنهم جميعًا؛ فقال: "وجدتها وقومها"، وسليمان يريد إيمانهم كلهم وليس إيمانها وحدها.
رابعًا: الهدهد فصَل بينها وبين قومها فقال: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امرَأَةً تَملِكُهُم﴾، ولم يقل: وجدت مملكة. مما يشعر بوجود مالك ومملوك، وقال: وجدتها وقومها، ولم يقل وجدتهم؛ مما يشعر بعدم الانسجام بينهم.
 
والذي يظهر لي أنها أضمرت قبل الشورى أن تسلم مع سليمان، ولكنها خافت على ملكها منهم؛ لأن تغيير الديانة أمر صعب جدًّا خاصة على الطبقة المستفيدة منه جاهًا ومالا ومكانةً وتقديرًا؛ لذا خوَّفتهم - بما لهم من طبقة خاصة ومكاسب- من مغبَّة معاداة الملوك، وأنه يؤثِّر على مكانتهم ويجعلهم أذلَّة بعد عزٍّ، رغم أنهم أبانوا عن قوتهم وبأسهم، فصرفتهم عن التفكير في ذلك. 
والتخويف على المكاسب والمكانة هي خير سبيل لسوق الناس لأمر مهم يصعب سوقهم إليه مثل تغيير العقيدة من عبادة الشمس لعبادة الله مع سليمان، وقد واجه هرقل مثل هذا الموقف عندما جمع رجال الدين في قصره وأغلق الأبواب وعرض عليهم فكرة الدخول في الإسلام ففروا منه فرار الحمر من القسورة، واستبقوا الأبواب للخروج، فاضطر خوفًا على ملكه أن يقول لهم: إنما كنت أختبركم( ). ولم يكن له أن يستخدم حيلة بلقيس؛ لأن الإسلام لم يكن بلغ القوة التي يمكن أن تخوِّفهم على مكتسباتهم.
وقد لجأ فرعون من قبل لهذه الحيلة مع الملأ عندما احتدم الجدال مع سيدنا موسى، فاستدر عطفهم بأنه يخاف عليهم من تبديل الدين ومن الإفساد في الأرض، وقال لقومه لما قالوا في سورة الأعراف: قَالَ لِلمَلَإِ حَولَهُ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَن يُخرِجَكُم مِّن أَرضِكُم بِسِحرِهِ فَمَاذَا تَأمُرُونَ(35)[الشعراء:34، 35]. فقال فرعون: فَمَاذَا تَأمُرُونَ، وهو لا ينتظر أمرهم فهو مستبد متألهٌ يعرف طريقه، ولكنه يريد نفوسهم معه وتأييدهم.
من كل ما سبق من دلالات لغوية ووقائع تاريخية يظهر لي أن شورى بلقيس كانت مداراة وتحايُلًا، وليست شورى حقيقية، وليس صحيحًا ضرب المثل بها في الشورى المثالية بعد ذلك، والله أعلم.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا