" هنا القاهرة.. صوت خرج من قلب المصانع ووصل لكل بيت"
جولة في أبو زعبل
بقلم أزهار عبد الكريم
"هنا القاهرة..."
جملة بسيطة… لكنها كانت كفيلة زمان إنها تخلي بلد كاملة تنصت. الراديو زمان كان سيد البيوت والمقاهي.
الراديو يشتغل… القهوة تهدى… والناس تقرب من بعض علشان تسمع صوت خارج من صندوق صغير… لكنه كان يحمل روح مصر كلها.
في يوم 31 مايو سنة 1934… خرج صوت المذيع أحمد سالم لأول مرة معلن افتتاح الإذاعة المصرية الرسمية، ثم انطلق البث الذي شارك فيه كبار نجوم ذلك الزمن الجميل
مثل . أم كلثوم
محمد عبد الوهاب
والشيخ محمد رفعت الذي افتتح الإرسال بآيات من القرآن الكريم.
لتبدأ حكاية طويلة عاشتها أجيال كاملة مع الميكروفون والكلمة والأغنية والنشرة .
واللافت إن جملة هنا القاهرة تحولت بعد ذلك إلى رمز كامل للإعلام المصري…
حتى إن مجرد سماع "هنا القاهرة" كان كافياً ليشعر الناس أن مصر تتحدث.
ومن وقتها… لم تعد الإذاعة مجرد وسيلة إعلام… لكنها أصبحت جزء من تفاصيل الحياة اليومية.
العامل يسمعها في المصنع…
وسائق القطار يرفع صوتها…
والأمهات يتابعن البرامج وقت تجهيز الغداء…
وكان لكل صوت هيبته… ولكل كلمة قيمتها.
لكن وسط الحكاية الكبيرة دي… ظهرت إذاعات ومحطات إرسال بعيدة عن وسط القاهرة… أماكن خرج منها الصوت ليصل لكل المحافظات والبيوت.
ومن بين هذه الأماكن… كانت أبو زعبل.
أبو زعبل مش مجرد اسم منطقة صناعية أو سجون زي ما ناس كتير فاكرة… دي منطقة مليانة حكايات وتاريخ وإذاعة لها طابع خاص جدآ يقدر يفتح باب كبير للحنين والدهشة
لأنه كان جزءاً من ذاكرة الإرسال الإذاعي في مصر.
فهنا… في قلب منطقة تابعة لمركز الخانكة بمحافظة القليوبية… مرت موجات الإذاعة المصرية يوماً ما… وحملت معها صوت "هنا القاهرة" إلى ملايين الناس.
وخلال العدوان الثلاثي سنة 1956… تعرضت هوائيات الإرسال في أبو زعبل للقصف… في محاولة لإسكات صوت مصر وقتها.
لكن المدهش أن الصوت لم يصمت…
بل خرج من إذاعة دمشق جملة ما زالت حاضرة حتى اليوم
"من دمشق… هنا القاهرة."
وكأن الحكاية وقتها لم تكن مجرد إذاعة… بل كانت وطناً كاملاً يحاول أن يظل مسموعاً.
زمن كامل كانت فيه الإذاعة مش مجرد وسيله اعلام .. لكنها كانت روح بلد كامله بتتكلم . وفى وسط حكاية الإذاعة المصرية الكبيرة كان فيه أبطال كتير بعيد عن العاصمة... اذاعات إقليمية خرجت من قلب المحافظات والمدن الصناعية والقرى لتنقل صوت الناس ولهجتهم وحكاياتهم اليومية...
إذاعات يمكن الأجيال الجديدة ما تعرفش عنها حاجة
وفى جولة اليوم… وأنت تسير داخل أبو زعبل… ستجد المدينة تغيرت كثيراً.
الطرق ازدحمت…
والمباني القديمة اختفى جزء منها…
والأجيال الجديدة ربما لم تسمع الراديو أصلاً إلا داخل السيارة أو مشهد في فيلم أبيض وأسود.
كثير من الشباب الآن لا يعرفون شيئاً عن الإذاعات الإقليمية… ولا عن زمن كان الناس ينتظرون فيه موعد برنامج كما ننتظر نحن اليوم إشعار الهاتف.
زمن كان الصوت فيه قادراً على جمع الناس… لا تشتيتهم.
ورغم كل هذا التغيير… ما زالت بعض الأماكن تحتفظ بذاكرة لا ترى بالعين… لكنها تشعر كل من يقترب منها أن هنا… كان يمر صوت مصر يوماً ما.
ربما اختفت أجهزة الراديو من كثير من البيوت…
لكن عبارة "هنا القاهرة" ما زالت حتى الآن قادرة على إعادة زمن كامل للحياة… بمجرد أن تقال.
" هنا القاهرة.. صوت خرج من قلب المصانع ووصل لكل بيت"
جولة في أبو زعبل
بقلم أزهار عبد الكريم
التعليقات الأخيرة