news-details
عرب

مع عميد الصحافة الاستقصائية محمد خاتم.. كيف يتحول التحقيق التلفزيوني إلى آلية لمواكبة تنزيل الورش الملكي حول الحماية الاجتماعية؟

نادية الصبار - المغرب

في سياق دينامية تروم تعزيز أدوار الإعلام في مواكبة الأوراش الوطنية الكبرى، انطلقت اليوم السبت، برحاب معهد “EPAG” للسمعي البصري والغرافيزم بالرباط، المحطة الثالثة ضمن سلسلة الدورات التكوينية المتخصصة في موضوع “الطرق الخلاقة لإيصال المعلومة حول الورش الملكي للحماية الاجتماعية كحق للجميع.. من الخبر إلى صناعة الأثر”.
وتأتي هذه السلسلة التدريبية بتنظيم من “مؤسسة Dana للصحافة والمواطنة”، بشراكة مع المنظمة البلجيكية غير الحكومية “إيكوس كوميونيكاسيون” (Echos Communication)، وبدعم من معهد “EPAG”، مستهدفةً الصحافيين، المكلفين بالتواصل المؤسساتي، طلبة وخريجي معاهد الإعلام، والمهتمين بإنتاج محتوى مهني رصين.

محمد خاتم: التحقيق ليس “فرجة” بل صناعة أثر
استهل عميد الصحافة الاستقصائية، الأستاذ محمد خاتم، الورشة الثالثة التي حملت عنوان “التحقيق التلفزيوني حول الحماية الاجتماعية.. من الفكرة إلى البث” ، بالحديث عن الأهمية البالغة للتحقيق الصحفي وعمق مساراته. موضحا أن إنتاج تحقيق تلفزيوني مدته 52 دقيقة يعد عملًا شائكًا يتطلب الغوص في عمق التفاصيل للوصول إلى الحقيقة، ومستحضرًا تكامل التقنيات من سيناريو، وإعداد، وصوت، وصورة، ومؤثرات وميكساج، إلى جانب امتلاك حس إعلامي خاص لإجراء المقابلات وبناء مساحات من الثقة لدفع المصادر نحو “البوح”.
وشدد عميد الصحافة الاستقصائية على أهمية مرحلة الـ “Briefing” (الاجتماع التوجيهي القبلي) كخطوة حاسمة لتوزيع الأدوار وتنسيق العمل قبل النزول إلى الميدان:
“خطاب الواقع ليس هو الخطاب الجاهز الذي يدافع عن توجهات الجهات الوصية؛ فالواقع يحمل تفاصيل أخرى. وحنكة الصحفي المحقق تكمن في الوقوف بين طرفي نقيض، لخلق توازن موضوعي بين الرواية الرسمية ونبض الواقع، لأن المشهد ليس ورديًا بالكامل وليس رماديًا بالكامل.” يقول محمد خاتم.

تفكيك معيقات تنزيل ورش الحماية الاجتماعية.. من النظرة “الفوقية” إلى “الميدان”
شهدت الورشة تفاعلًا واسعًا من طرف طلبة المعهد العالي للإعلام والاتصال (ISIC) وطلبة معهد “EPAG”، بالإضافة إلى طلبة من معاهد أخرى، قاسمهم المشترك الانخراط في هذه التجربة الإعلامية السباقة، حيث تركزت النقاشات حول الأثر الفعلي لإجراءات الحماية الاجتماعية، وتعميم الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر، ومدى تطبيقها في القرى والمناطق النائية.
وفي هذا الصدد، فكك الأستاذ محمد خاتم أبرز العقبات التي تعترض تنزيل هذا المشروع الاستراتيجي، مشيرًا إلى تحديات الحكامة، وتعدد الصناديق والمتدخلين (مثل وزارتي الصحة والمالية)، واتساع القطاع غير المهيكل. كما توقف عند صعوبات الاستهداف الرقمي (خوارزمية تنقيط السجل الاجتماعي الموحد)، ومسألة ضعف الوعي الاجتماعي بالمعلومة، متسائلًا: “من هو الفقير والمستحق الفعلي للحماية الاجتماعية؟”، ومحذرًا في الوقت ذاته من ضعف البنية التحتية الصحية مقارنة بالطلب المتزايد، ومثيرًا تساؤلًا حاسمًا حول “الخوصصة غير المباشرة” للقطاع الصحي عبر المجموعات الطبية الخاصة (أكديتال نموذجًا).
وأكد خاتم أن معالجة موضوع الحماية الاجتماعية بنظرة فوقية سيبقيها “قاصرة”، ولذلك وجب الاعتماد على “النظرة الشمولية” التي تسلط الضوء على ملف الحماية الاجتماعية والمعنيين بها مباشرة عبر قصص إنسانية وبناء درامي متكامل.

هندسة التحقيق التلفزيوني: من السيناريو إلى المونتاج المتناوب
وقدم الأستاذ المؤطر مقترحًا عمليًا لهيكلة تحقيق تلفزيوني استقصائي يمتد لاثنتين وخمسين دقيقة حول الموضوع، جاء توزيعه الزمني على النحو التالي:
تبدأ الخمس دقائق الأولى بمقدمة تعرض مشاهد ميدانية لمركز إداري مزدحم (مثلا )، يرافقها تعليق افتتاحي يطرح الأسئلة الجوهرية حول مدى وصول المعلومة لمستحقيها وأين تتعثر عملية إيصالها.
ليخصص المحور الأول ومدته اثنتا عشرة دقيقة للتحقيق الميداني في القرى والأحياء الهامشية، بهدف رصد وصول المعلومة في ظل غياب الإنترنت، وتفكيك دور الوسطاء من منتخبين ورجال سلطة ونشطاء مدنيين وفاعلين إعلاميين كذلك،  وهنا دور التحقيق في وضع الأصابع على مكامن الخلل.
ثم يتتبع المحور الثاني في خمس عشرة دقيقة مسار المعلومة من القرار المركزي عبر المؤسسات العمومية والقنوات الرسمية، مع مساءلة المسؤولين والصحافيين المتخصصين في السياسات العمومية، وهنا حذر خاتم من غياب الحس المواطني لدى بعض المنتخبين الذين يتسابقون نحو المناصب دون تقديم خدمات حقيقية للمواطنين.
ويختتم التحقيق بمحوره الثالث الذي يستغرق عشرين دقيقة كاملة لتكمل وعاء الاثنين وخمسين دقيقة، ليرصد تفاصيل رحلة العلاج داخل المنظومة الصحية كنموذج تطبيقي بارز، مع تفكيك أنواع التغطيات مثل “أمو”، والتعويض عن فقدان الشغل، وصولًا إلى دمج شركات التأمين لضبط الخريطة الديموغرافية.

وتطرق خاتم إلى الجوانب التقنية في مرحلة المونتاج، موضحًا أن الميدان قد يفرض “سيناريو الواقع” الذي ينحرف أحيانًا عن التصور المسبق نتيجة المعطيات والمقاطع المكتشفة. وأشار إلى تقنيات بصرية ضرورية مثل المونتاج المتناوب (Montage alterné) لخلق التشويق والربط الدرامي، واللقطات الاعتراضية، ومطابقة الصوت والصورة، والتقطيع المتوازي، والربط الصوتي السلس لتجنب القطع المفاجئ. كما أشار إلى إمكانية اللجوء لأسلوب “الكاميرا الخفية” للحصول على المعلومة عند الضرورة المهنية القصوى مع الحفاظ على سرية الهويات خلال عملية التوضيب والمونتاج لتفادي المتابعة القانونية لهؤلاء.

رؤية ممتدة ومواكبة مستمرة
وفي ختام العرض، دعا محمد خاتم المشاركين إلى عدم الاكتفاء بالبلاغات الرسمية وتصريحات المسؤولين، بل الانتقال إلى “الحق التفسيري” والمواكبة الميدانية المستمرة، معتبرًا أن التحقيق إذا لم يحدث أثرًا وتغييرًا في الإدارة والمجتمع وساهم في تنزيل حقيقي للورش الملكي بما يتماشى والإرادة الملكية من جهة ونبض وتوقعات المعنيين بالحماية الاجتماعية من جهة أخرى، فإنه لا يتعدى مستوى “الفرجة”. كما حث الصحافيين على تدوين كافة الملاحظات خلال جولاتهم، إذ أن تفاصيل الميدان تولد أفكارًا لتحقيقات إنسانية أخرى.
يُذكر أن هذه السلسلة التكوينية ترتكز على رؤية تكاملية يشارك في تأطيرها نخبة من الخبراء والاكاديميين من بينهم: بالإضافة إلى محمد خاتم، د. عبد الوهاب الرامي، يونس الشيخ، د. مصطفى اللويزي، وعثمان لامين وآخرين.. وتعتمد مقاربة تفكيك المحاور إلى تخصصات دقيقة تشمل الصورة، الخطاب البصري، أخلاقيات المهنة، وصياغة الخبر وتبسيطه عبر السمعي البصري والراديو للوصول إلى المناطق الهامشية.
هذا وتوجت الورشة بتقسيم المشاركين إلى خمسة فرق، سيتولى كل منها الاشتغال على تيمة محددة لإنتاج خمسة مشاريع تحقيقات، تحت إشراف ومواكبة كاملة من مؤسسة “دنا للصحافة والمواطنة” ومنظمة Echos Communication ومعهد Epag للسمغي البصري والغرافيزم وكافة المؤطرين، بما فيهم  الأستاذ محمد خاتم الذي أعلن مواكبته للمشاريع من الألف إلى الياء.. أي؛ من الفكرة إلى البث، خدمة لهذا الورش الملكي الكبير الذي يحتاج لتظافر جهود الجميع من أجل تنزيله تنزيلا يليق بالمقام العالي بالله، مولانا جلالة الملك حفظه الله ورعاه، ورهانا من المنظمين والمؤطرين بما للأجيال الصاعدة من قدرات تحتاج للمواكبة والتأطير وتربية على قيم المواطنة وكذا إيمانا بالدور الذي يمكن أن يضطلع به الإعلام ليكون صوت الوطن والمواطن.

البوم الصور

News photo
News photo
News photo
News photo
News photo

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا