news-details
منوعات

سيناء بين القوات العثمانية والفرنسية بقلم / محمـــد الدكـــروري

لقد كانت الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت حدا فاصلا في تاريخ مصر الحديث، لكن من المؤكد أن تلك الحملة تركت أثرها الواضح علي وضع مصر في بؤرالإهتمام الأوربية، كما كان لها آثارها علي المجتمع المصري، وما يهمنا هو وضع سيناء خلال السنوات القلائل التي قضتها تلك الحملة في مصر، تلك المعارك التي وقعت علي أرض سيناء بين القوات العثمانية والفرنسية، ومدي التأثير الذي تركته عليها، وكانت بداية الاتصال بين الحملة وسيناء في إطار الأطماع التوسعية لنابليون عقب دخوله مصر، فقد كان يطمح في فتح الشام، ومن ثم كان لابد من استطلاع مناطق الحدود مع الشام، فأرسل الجنرال لوجرانج لاستطلاع ساحل سيناء الواقع علي البحر المتوسط، كما أمره بإنشاء نقطة حصينة في قطية بالقرب من الحدود الشامية، لكن علي ما يبدو أن لوجرانج تعرض لغارات من قبل العربان في سيناء، لكن رغم هذه الغارات والمطر الشديد. 

 


الذي واجهه هذا الجنرال فقد أتم ما أمره به قائده علي أكمل وجه، وأبلغ بونابرت في السابع عشر يناير لعام ألف وسبعمائة وتسع وتسعون ميلادي أنه تم بناء النقطة الحصينة في قطية، فجعلها نابليون محطة عسكرية ونقطة تجمع واستراحة لقواته، وخلال الاستعدادات الفرنسية للحملة علي سوريا بحثوا عن الجمال اللازمة لحمل المؤن والذخائر، واستطاعوا الحصول علي عدد كبير من الجمال، كما قاموا بجمع عدد كبير من الحمير والبغال من القاهرة والمناطق المحيطة بها، وعلي الجانب الآخر كانت التقارير تصل إلي بونابرت، حول تحركات جيوش المماليك الذين فروا إلي الشام والعثمانيين، وتجمعهم بشكل متزايد في العريش، داخل الحدود المصرية، حيث كان أحمد باشا الجزار يستعد للهجوم علي القوات الفرنسية في مصر، ووصل عدد كبير من فرقة الجنرال رينيه إلي قطية في الأيام الأولي من شهر فبراير عام ألف وسبعمائة وتسع وتسعون ميلادي. 

 


ثم غادرها في الحادي عشر من فبراير متوجها إلي العريش بهدف الاستيلاء عليها بناء علي أوامر من بونابرت، كما وصل كليبر بفرقته في اليوم نفسه حيث تولي قيادة القوات الفرنسية المتجهة إلي العريش، وبعد يومين ونصف وصلت تلك القوات إلي المساعيد التي تبعد عن العريش بمسافة خمسة أميال ونصف الميل، واستولت الدهشة علي رينيه عند وصوله أمام العريش بعد زحف شاق في اليوم الثامن من فبراير عام ألف وسبعمائة وتسع وتسعون ميلادي لأنه لم يجد معسكرا كبيرا للعدو فحسب، بل وجد حصنا منيعا وهي قلعة العريش، وكان هذا المعسكر يتألف من ستمائة فارس من العرب والترك والمماليك، ونحو ألف ومائتان من المشاة الألبانيين الذين أرسلهم الجزار، أما الحصن وهي القلعة فيقع شمال غرب العريش، فهو بناء حجري مربع يقوم علي أبراج مثمنة أسواره ترتفع ثلاثون قدما، كما كانت الممرات داخل المدينة محاطة بالبيوت الصغيرة، التي زادت من صعوبات رينيه. 

 


ولقد كانت بيوت العريش مبنية بالطوب النيئ ذات أسوار عالية، وشوارعها عريضة ومستقيمة، لكن في الحي القديم للمدينة كانت المسافات بين البيوت صغيرة والشوارع ضيقة، وهذا الوضع شكل عقبة كؤود أمام القوات الفرنسية، وأي قوة تحاول الاستيلاء علي العريش عن طريق المغامرة في الدخول إلي داخل المدينة بشوارعها الضيقة، فإنها ستتكبد خسائر فادحة، وحينما وصل بونابرت إلي العريش في السابع عشر من يناير عام ألف وسبعمائة وتسع وتسعون ميلادي وجد المدينة لم تسقط بعد في أيدي قواته، فلم يحسب نابليون حسابا للمسافة الصحراوية الطويلة التي سيقطعها في صحراء سيناء، حتى أن عددا من جنود كليبر أقدموا علي الانتحار بسبب ما لاقوه من طول المسافة ووعورتها حتى العريش، وكان أول عمل قام به رينيه هو الاستيلاء علي العريش التي دافع عنها أهلها، لكن مصيرهم كان حد السيف أو السنكي، ثم وصلت قوات كليبر إلي العريش. 

 


في الرابع عشر من يناير عام ألف وسبعمائة وتسع وتسعون ميلادي فانضمت قواته إلي قوات رينيه، وعانت قوات رينيه من الجوع لأن العريش لم يكن لديها من الأقوات ما يمكن أن تقدمه للفرنسيين، فهي لم تتعد في ذلك الوقت كونها بلدة صغيرة تقع بين البحر والصحراء، لكن رغم هذا حاصر رينيه وكليبر الحصن وكان الأمل ضعيفا في تسليمه قبل أن يصل المدد من الجنود والمدفعية، وفي ليلة الرابع عشر والخامس عشر من فبراير، في عام ألف وسبعمائة وتسع وتسعون ميلادي قاد رينيه أربع كتائب في هجوم مباغت علي المعسكر العثماني الذي كان تعداد قواته حوالي ألف وثماني مائة جندي، وتمكن من مباغتة الجنود العثمانيين النيام فقتلوهم بالسلاح الأبيض، وكانوا يقتلون كل من يجدونه حتى وصل عدد القتلى ما بين ربعمائة إلي خمسمائة من المماليك وعدد من الكشاف، وأسر حوالي تسعمائة رجل، بينما لم يفقد الفرنسيون سوي ثلاثة رجال.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا