إستيلاء الفرنسيون علي قلعة العريش
بقلم / محمـــد الدكـــروري
جاء في الحملة الفرنسية علي مصر وخصوصا علي سيناء والعريش أنه في الثامن عشر من شهر فبراير عام ألف وسبعمائة وتسع وتسعون ميلادي وافق قائد الحصن إبراهيم نظام بك علي تسليمه شريطة أن يسمح له وللحامية بمغادرة الحصن بسلاحهم، لكن رفض بونابرت هذا الشرط واقترح عليه تسليم الحصن أولا بعدها سيعطيهم سلاحهم ومتاعهم معززين مكرمين بل وينقلهم إلي مصر حيث يمكنهم ركوب البحر لأي بلد شاءوا، لكن القائد العثماني رفض هذا العرض لأنه يعلم تمام العلم أن مصر محاصرة، ولما يأس نابليون من طول المفاوضات، والحصار الذي طال أمده، قرر ضرب المدافع بشكل متواصل وبكثافة علي الحصن، فأحدثت ثغرة صغيرة في الأسوار، ثم تسلل بعض الجنود الفرنسيين إلي أحد أبراج الحصن لكن بلغت خسائر الفرنسيين في ذلك اليوم حوالي واحد وعشرون من رجال المدفعية وسبعة عشر من رجال البنادق، وثلاثة مائة وخمسون من المشاة.
لكن في اليوم التالي إضطرت القوات المحاصرة إلي التسليم، بعد خروجهم حملوا الكثير منهم علي الإنضمام إلي الجيش الفرنسي، ووجد الفرنسيون في الحصن من المؤن ما يسد جوعهم، وجاءت الأنباء إلي القاهرة تفيد بإستيلاء الفرنسيين علي قلعة العريش، وطاف رجل من أتباع الشرطة، ينادي في الأسواق أن الفرنساوية ملكوا قلعة العريش وأسروا عدة من المماليك، وفي غدا يعملون شنكا ويضربون مدافع، فإذا سمعتم ذلك فلا تفزعوا، ولقد غادر جيش نابليون بونابرت العريش في الثاني عشر من فبراير ووصل الشيخ زويد بعد مسيرة يومين، حيث قادهم دليلهم من العربان إلي طريق أبعد إلي الجنوب من الطريق الشمالي المعتاد، وربما كان ذلك عن عمد بهدف توريطهم في الرمال، حيث كانوا غير مستريحين للسير علي الكثبان الرملية، ولم يلاقوا بأية مقاومة من الجيش العثماني طوال هذه المسافة، حتى وصلوا إلي عكا وهناك توقفت جيوش نابليون لتضرب حصارا علي المدينة.
وتفشل في إقتحامها نتيجة لبسالة وشجاعة وجبروت الجنود الفلسطينين ولمناعة الأسوار من ناحية، والإمدادات التي يتلقاها الوالي أحمد باشا الجزار من الأسطول البريطاني في البحر المتوسط، وعاد نابليون وجنوده ثانية بعد فشل حصار عكا إلي العريش في اليوم الثاني من شهر يونيو، وفشل مشروعه التوسعي، الذي كان يهدف من وراءه علي حد تعبير جارفس إسقاط القسطنطينية، ولم تكن خسارته في يافا وعكا كبيرة، لكن تحطمت معنويات جنده بسبب موت الكثير منهم بسبب الطاعون، وفي الثالث من شهر يونيو عام ألف وسبعمائة وتسع وتسعون غادر نابليون العريش إلي القاهرة تاركا حامية لقلعة العريش قوامها خمسمائة جندي، وإستعدت القوات العثمانية للزحف برا علي مصر بعد فشل حملتها علي أبي قير، ولما كان موقف الحملة في مصر قد بدأ يتأزم نتيجة عدم وجود حماية بحرية بعد تحطيم أسطولهم، في معركة أبي قير البحرية.
ونتيجة للثورات الشعبية المصرية التي باتت تواجهها الحملة بين الفينة والأخرى، مما إضطر كليبر إلي عقد مفاوضات مع سيدني سميث للتوصل إلي طريقة ما تضمن له ولقواته الرجوع إلي فرنسا بسلام، فتم توقيع معاهدة العريش الأولي في الثالث من شهر ديسمبر عام ألف وسبعمائة وتسع وتسعون، ولم تدم هذه المعاهدة طويلا، حيث خرق العثمانيون هذه المعاهدة باجتياحهم للعريش في الثلاثين من شهر ديسمبر من العام نفسه، وبعد مفاوضات بين الجانبين الفرنسي والعثماني تم التوقيع علي معاهدة العريش في الرابع والعشرين من يناير لعام ألف وثماني مائة ميلادي وقعها عن الجانب العثماني مصطفي رشيد أفندي الدفتردار، ومصطفي راسخ أفندي رئيس الكتاب نيابة عن الصدر الأعظم، وعن القائد العام للجيش الفرنسي كل من الجنرال ديزيه والمسيو بوسليج ولم يوقع عليها أحد من الحكومة الإنجليزية.
وبذلك انتهت أحداث الحملة الفرنسية علي مصر وكانت سيناء خلالها مسرحا لأحداث ذلك الصراع الفرنسي العثماني في مصر، حيث تعرضت العريش للتدمير بمدافع القوات الفرنسية، كما قتل الكثير من أهلها نتيجة استبسالهم في الدفاع عن أرضهم، فكانوا بهذا الإستبسال مثار إعجاب القوات الفرنسية نفسها.
التعليقات الأخيرة