إن المتأمل إلى كل العوامل التى قامت عليها الحضارات والأوطان يجد أن النبي صلى الله عليه وسلم جمعها في أسس ثلاث فمنها تتفرع وإليها ترجع وتعود، وإن من العوامل القوية التي اعتمد عليها الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في بناء الحضارت، هو بناء الإنسان أولا فإنه مقدّم على بناء العمران فى عقيدة والإيمان، وبناء الإنسان يأتي من البناء العقدي والإيماني الصحيح لا المغشوش، فهناك تدين مغشوش، تدين الدروشة، فهو تديّن المصلحة، وتدين الظروف، وتدين التلون، وتدين القشور والمظهر لا اللباب والمخبر، وكذلك أيضا بناء الإنسان تعبديا حيث تصحيح مفهوم العبادة في حياة الإنسان، والعمل على بنائه أخلاقيا وقيميا، وكذلك بناء وحدة الصف المجتمعي لا تقسيمه وتشتيته والتصالح لا التنازع، فإن المجتمع الذي يتمزق فيه عُرى الأخوة والوحدة يكون عُرضة للعنف والشتات والتدخل الخارجي فلا بد من وحدة الصف بين أبناء المجتمع الواحد، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
في أول قدومه إلى المدينة الطيبة، فقد آخى بين المسلم والمسلم أخوة إنسانية ووطنية وإسلامية، كما آخى بين المسلم وغير المسلم أخوة إنسانية ووطنية، فاستطاع صلى الله عليه وسلم أن يحفظ الوطن في أول عهد تأسيسه، فهو صلي الله عليه وسلم الذي قال عنه بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه " كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا بعث أميرا على جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، وقال اغزوا بسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا" رواه مسلم، وفي رواية أخرى يقول صلى الله عليه و سلم " ولا تقتلوا وليدا، فهذا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته فيكم" وعن رباح بن الربيع بن صيفي قال " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلا، فقال صلى الله عليه و سلم انظر على ما اجتمع هؤلاء؟ فجاء، فقال امرأة قتيل.
فقال صلى الله عليه و سلم ما كانت هذه لتقاتل، وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلا، فقال صلى الله عليه و سلم قل لخالد لا يقتلن امرأة، ولا عسيفا أجيرا" رواه أبو داود، وإن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الضعفاء أو الذين لم يشاركوا في القتال من الكافرين، كالرهبان والنساء والشيوخ والأطفال، أو الذين أجبروا على القتال، كالفلاحين والأجراء أي العمال، شيء تفرد به النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في تاريخ الحروب في العالم، فما عُرف قبل الإسلام ولا بعده حتى اليوم مثل هذا الهدي النبوي الفريد المليء بالرحمة مع من كفر به وحاربه، ويقول الله تعالى فى سورة آل عمران " وإعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا" وكما قال البعض عن الإسلام إنه إسلام يقيم المجتمع على أواصر الإخاء والوحدة بين أبنائه، فلا مكان فيه لصراع الأجناس، ولا لصراع الأديان، ولا لصراع الطبقات، ولا لصراع المذاهب، فالناس كلهم أخوة، تجمع بينهم العبودية لله، والبنوة لآدم "إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد"
وإختلافهم واقع بمشيئة الله تعالى وحكمته، وهو يفصل بينهم يوم القيامة، فيما كانوا فيه يختلفون" فإنه يتفق الناس على القواسم المشتركة، ويتعاونوا من خلالها، وإن اختلفوا في أمور أخرى، وإن رفعة الأمم وتقدمها مربوط بحجم عطاء، وعمل أبناء الشعوب والأوطان في تلك الأرض، ولا ننسى ما فعله ذو القرنين من تغيير ثقافة شعب كسول خامل عن العمل، كما ورد في سورة الكهف، وماذا كانت نتيجة حركتهم وبذلهم وعطائهم ولقد عنيت آيات الكتاب المجيد بذكر ما أمر الله به في نصوصه المقدسة الراقية، ومن بين الأوامر قوله تعالى فى سورة التوبة " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهاده فينبئكم بما كنتم تعملون" وتلك القيمة توفرت وبقوة مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا عبدالرحمن بن عوف، قال لسعد بن الربيع دلني على السوق، إنها دعوة للتميز والاستقلالية لا التبعية للآخرين، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم.
قرر مع بدايات هجرته ببناء سوق للمسلمين، بديلا عن سوق اليهود، لئلا يكون تبعا لهم، وأن يكون متميزا في معاملته التجارية بما يتناسب وشريعة الإسلام، وكما يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله، من لم يكن طعامه من فأسه، فلن يكون قراره من رأسه.
العوامل التى قامت عليها الحضارات
بقلم / محمـــد الدكـــروري
التعليقات الأخيرة