إيول (7) Iol *
ملفينا توفيق ابو مراد
*
من سلسلة الفينيقية في افريقيا
ايول : حلقة الوصل الفينيقية وعاصمة الممالك القديمة
تستمر رحلتنا التاريخية في تقصي أثر الامتداد الفينيقي في القارة الإفريقية، لنحط الرحال اليوم في "إيول"
وهو الاسم الفينيقي القديم لمدينة شرشال
الساحلية (الواقعة في ولاية تيبازة، على بعد حوالي 90 إلى 100 كم غرب العاصمة الجزائرية)، والتي ازدهرت عبر العصور لتصبح واحدة من أهم الحواضر الاستراتيجية في حوض البحر الأبيض المتوسط.
اشارة مهمة :
حين نذكر في السطور التالية أن "إيول" أصبحت لاحقاً عاصمة لـ "موريتانيا"، *فالمقصود هنا هو "مملكة موريتانيا القيصرية القديمة"* (التي كانت تمتد على سواحل شمال الجزائر والمغرب حالياً في العهد الفينيقي والروماني)، وليس "جمهورية موريتانيا الإسلامية المعاصرة" الواقعة في غرب إفريقيا؛ إذ إن التشابه في الاسم قد يشتت فكر القارئ بين تاريخ الإقليم القديم والحدود السياسية الحديثة .
الجذور الأولى والحقبة الأمازيغية :
كانت مدينة إيول مأهولة ومحكومة من قبل السكان الأمازيغ (البربر) -السكان الأصليين لشمال إفريقيا- قبل قدوم الفينيقيين. ويعتقد المؤرخون أن الموقع كان بمثابة محطة بحرية ومأوى للسفن منذ منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد (نحو 1500 ق.م)، حيث ارتبط تاريخ المنطقة بالممالك الأمازيغية القديمة مثل مملكتي "الماسيل" و"الماسيسيل" .
محطات التحول التاريخي في إيول (شرشال)
الحقبة الفينيقية القرطاجية (القرن 6 - 4 ق.م):
حوّل الفينيقيون ثم القرطاجيون المنطقة إلى ميناء مُحكَم ومحطة عبور تجارية بحرية هامة، وأطلقوا عليها اسم "إيول"، والذي يُعتقد أنه مشتق من اسم إحدى الآلهة الفينيقية القديمة.
تميزت إيول بتطبيق نظام "الميناءين المزدوج"، وهو تصميم هندسي بحري فينيقي شهير.
العهد النوميدي الموحد:" بعد هزيمة القرطاجيين "وحلفائهم في المنطقة عام 206 قبل الميلاد، خلال الحملة الرومانية الشهيرة بقوة الجنرال "سكيبيو الإفريقي"، أصبحت المدينة جزءاً من المملكة النوميدية الموحدة تحت حكم الملوك الأمازيغ الأقوياء مثل الملك "ماسينيسا" .
العهد الروماني الازدهاري (يوبا الثاني):
خضعت المدينة لاحقاً للسيطرة الرومانية، وعين الإمبراطور أغسطس قيصر الملك الأمازيغي المثقف "يوبا الثاني" وزوجته "كليوباترا سيليني" (ابنة كليوباترا السابعة وماركوس أنطونيوس) لحكم المنطقة. اتخذ يوبا الثاني من إيول عاصمة لموريتانيا القيصرية القديمة، وبنى فيها المسارح والحمامات الضخمة، وغيّر اسمها من "إيول" إلى "قيصرية" تيمناً بروما .
محاور التبادل والاقتصاد في إيول الفينيقية :
أدار الفينيقيون من خلال إيول شبكة تبادل بحرية مزدهرة، شكلت نقطة ربط أساسية بين قرطاجة والمحطات التجارية الأبعد (مثل طنجة وموغادور).
وقام هذا النظام الاقتصادي على محورين رئيسيين :
1. واردات الفينيقيين من النوميديين (السكان المحليين): اعتمد الفينيقيون على مقايضة بضائعهم بالمواد الأولية الثمينة التي تفتقر إليها سواحل فينيقيا، مثل المعادن، الجلود، العاج، والمنتجات الزراعية والحيوانية كالقمح التي كانت تجلبها القوافل من المناطق الداخلية.
2. "صادرات الفينيقيين إلى إيول:
حملت السفن الفينيقية إلى أسواق إيول أشهر منتجاتها الحضارية التي شكلت رموزاً للبذخ والتحضر، ومنها:
الأقمشة المصبوغة بالأرجوان الصوري، الأواني الزجاجية والفخارية النادرة، الحلي، والمصنوعات المعدنية الدقيقة.
ومع قوة التجارة القرطاجية وازدهار الأسواق، تطور النظام الاقتصادي في إيول لينتقل من نظام المقايصة البسيطة إلى إدخال العملات المسكوكة لاحقاً، مما ثبّت مكانتها كمركز مالي وحضاري لا يمحوه الزمن.
2026/5/26
التعليقات الأخيرة