news-details
مقالات

السيادة المسلوبة والبديل الأصيل: تفكيك الصفقات الدولية وموقع القبيلة في ميزان التغيير العراقي إعداد/ عدنان صگر الخليفه

المقدمة
​تتحرك الجغرافيا السياسية المعاصرة في خطوط مرسومة بدقة خلف كواليس الغرف المغلقة، حيث تُهندس الأزمات وتُصنع الحروب لا لهزيمة الأطراف المتصارعة، بل لابتزازها وصياغة توازنات جديدة تُخضع الجميع لشروط القوى المهيمنة. وفي خضم هذا التصعيد الإقليمي والدولي، يقف العقل الاستشرافي الواعي لرئاسة اتحاد القبائل العراقية ليفكك شفرات هذه الصفقات الكبرى، متمسكاً بالواقعية السياسية التي تفصل الأوهام الإعلامية عن الحقائق الإستراتيجية على الأرض. إن هذه الدراسة لا تقف عند حدود رصد الحدث، بل تنفذ إلى جذوره العميقة؛ لتقدم تشخيصاً دقيقاً حول هندسة النظام الدولي الجديد واستثناءاته المدروسة، وصولاً إلى تعرية الواقع العراقي المرتهن لأدوات الحكم، وإعادة الاعتبار للمنظومة القبلية الأصيلة باعتبارها المعادل الموضوعي والخلاص المتين القادر على صناعة ثغرات التغيير الحقيقي وحفظ سيادة الوطن.
​نظام بكين الدولي الجديد وإعادة هندسة التوازنات العالمية
​لم يكن اللقاء التاريخي الذي جمع القطبين الأمريكي والصيني في بكين مجرد قمة دبلوماسية عابرة، بل كان بمثابة إعلان رسمي عن ولادة مؤتمر "يالتا" جديد يعيد تقسيم النفوذ وإدارة المصالح الحيوية في العالم. لقد أسفر هذا التفاهم الباطني بين واشنطن وبكين عن صياغة نظام عالمي جديد محكوم برغبة الطرفين في ضبط خطوط الطاقة والتجارة وممرات الملاحة الدولية بما يخدم مصالحهما المشتركة. وفي مقابل هذا الصعود القطبي الثنائي، بدا لافتاً ذلك الخنوع والصمت الأوروبي المطبق أمام الشروط والسياسات الأمريكية الجديدة المفروضة دولياً، حيث آثرت القوى التقليدية القديمة التراجع والقبول بدور التابع المنفذ للمظلة الدولية الجديدة، متخلية عن مساحات مناورتها المستقلة لصالح الخارطة الإستراتيجية التي رُسمت معالمها في العاصمة الصينية.
​هندسة الصراع المنضبط ومسرحية تسوية الحرب
​إن القراءة الفاحصة للحرب  التي دارت رحاها عام ألفين وستة وعشرين تُثبت أنها لم تكن حرب كسر عظام وجودية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بل كانت معركة مبرمجة ومصممة بدقة لتنفيذ صفقات بكين وتثبيت شروطها. وتتجلى هنا العقيدة البراغماتية لإدارة دونالد ترامب التي أدارت المعركة وفق معادلة هندسية تقضي بألا يخرج أي طرف من أطراف النزاع خاسراً علناً، بل جرى توفير أطواق نجاة سياسية تسمح للجميع بتسويق النصر أمام جماهيرهم؛ لتظهر واشنطن بمظهر صانع السلام ومحقق الصفقة الكبرى، وتثبت إسرائيل أمنها، وتحمي طهران نظامها بضمانات دولية. وبذلك تحول السلاح والضغط العسكري إلى مجرد أدوات لإجبار دول الإقليم على الانصياع والدخول في تفاهمات الدوحة وبكين كخيارات قسرية لا مفر منها.
​فخ الرفض وذريعة الحرب الدائمة لتمرير خارطة الطريق الترامبية
​من مكامل الذكاء الإستراتيجي في الرؤية الترامبية أنها لم تضع شرط الإلزام المتزامن للتوقيع على الاتفاقية الإبراهيمية للدول العربية والإسلامية وهي تضمن موافقتها المطلقة، بل صممت هذا الشرط كفخ مزدوج يحقق أهداف واشنطن في كلتا الحالتين. ففي حال رفضت بعض الدول الكبرى هذا الإلزام نظراً لثقلها التاريخي أو حرجها أمام شعوبها، فإن هذا الرفض يتحول فوراً في يد الإدارة الأمريكية إلى ذريعة شرعية وقانونية لإبقاء حالة الحرب مستمرة ومفتوحة. إن حالة الحرب الدائمة والمنضبطة تمثل الغطاء المثالي لاستكمال الأجندة الجيوسياسية التي رسمتها الولايات المتحدة لنفسها مسبقاً، مما يتيح لها قضم المواقف تدريجياً وإجبار الجميع على الرضوخ لخارطة الطريق الدولية الجديدة دون أن تلتزم واشنطن بتقديم أي تنازلات أو إنهاء فعلي للتصعيد.
​إرث تدوير الصراعات واحتكار شعارات المواجهة
​عند العودة بالذاكرة التحليلية إلى حرب الاثني عشر يوماً في عام ألفين وخمسة وعشرين، يتضح للمراقب أن نمط المواجهة الحالية ليس إلا مستنسخاً مكرراً لكتالوج التصعيد المبرمج بين واشنطن وتل أبيب وطهران. والخطورة الكامنة في هندسة هذه الحرب الأخيرة تكمن في تركيبة الشروط المفروضة؛ إذ بينما أُلزمت الدول العربية بالانصياع الشامل، جرى التعامل مع إيران بلغة التمني والعرض المرن دون إلزامها الصارم بالتوقيع الفوري. هذا الاستثناء الضمني يعطي طهران الأحقية والمبرر السياسي للبقاء كالمتبني الوحيد والمحتكر المطلق لشعارات الثورة المستمرة منذ عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين، والمطالبة بدولة فلسطين ورفع راية العداء لأمريكا وإسرائيل؛ وهو ما يكشف أن اللعبة برمتها قد تكون مصطنعة لإلغاء الأدوار الإقليمية الأخرى وإبقاء نفوذ النظام الإيراني كشريك باطن وصمام أمان لتمرير الخطوط الحمر المتفق عليها خلف الكواليس.
​الشرط الإبراهيمي العلني وتفكيك جغرافية الخليج
​لقد جاءت عبارة ترامب الصريحة حول الإلزام المتزامن بالتطبيع لتضع عواصم المنطقة أمام لحظة فرز جيوسياسي حاسمة، وهو ما تناغم مع القراءة العميقة للرسائل السياسية المتبادلة برزت منها تحذيرات وتصريحات الشيخ حمد بن جاسم التي كشفت أبعاد هذا الابتزاز المالي والسياسي. وبناءً على هذه المعطيات، يمكن تقسيم الخارطة الخليجية إلى ثلاث فئات: دول مستهدفة بالضغط المباشر والعلني نظراً لثقلها واقتصاديّتها مثل المملكة العربية السعودية ودولة قطر، ودول منخرطة في هذا المسار مسبقاً وتُستخدم تجاربها كمطرقة ضغط على البقية، ودول تُعتبر في الحسابات الترامبية بمثابة تحصيل حاصل تتبع القرار الجماعي للمنظومة وتملك مرونة لتذويب خطابها التقليدي متى ما مالت الكفة تماشياً مع بوصلة الرياض.
​العراق في جغرافيا الصفقات وفخ التحصيل الحاصل
​إن استثناء العراق علناً من خطاب ترامب وشروطه الإلزامية لا يمثل إعفاءً له أو احتراماً لخصوصيته التشريعية التي تجرم التطبيع، بل هو الدليل الأكبر على عمق المأزق الإستراتيجي؛ إذ ينظر المثلث الدولي والإقليمي إلى بغداد كـ "تحصيل حاصل" وساحة جغرافية مفتوحة لتصفية الحسابات وتمرير المقايضات، وليس كعضو سيادي على طاولة المفاوضات. لقد تُرك العراق عن عمد في منطقة الغموض الإستراتيجي لأن الأجندة التقاسمية القائمة تضمن تنفيذ بغداد التلقائي لمخرجات اتفاقات الخارج عبر أدوات الحكم المتاحة في الداخل، والتي تدير الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية بما يتوافق مع التوازنات الخارجية؛ مما يجعل الساحة العراقية مرشحة دوماً لتلقي الضربات وإعادة الاشتعال فور حدوث أي اهتزاز في التفاهمات الأمريكية الإيرانية.
​الأمل الخرافي وتدجين النخب مقابل أصالة العقلية القبلية
​في مقابل هذا الارتهان الخارجي، تُمارس أدوات الحكم في الداخل سيكولوجية تخدير ممنهجة للجماهير عبر بيع "الأمل الخرافي" والأوهام الكاذبة، وتدوير الأزمات من خلال تبديل الوجوه وتغيير البرلمانات المتعاقبة. إن هذه الحكومات والمجالس لم تكن إلا أدوات لرهن مقدرات البلاد والتنازل عن حقوق العراق التاريخية والحدودية والبحرية، مثلما جرى في اتفاقية خور عبد الله رغماً عن إرادة الشعب والأحكام القضائية الصارمة. وفي هذا المستنقع، اندمجت النخب السياسية والاقتصادية والأكاديمية في ثالوث الاستعباد للحفاظ على مكتسباتها المادية ووجودها الهش، بينما بقيت العقلية القبلية العراقية الأصيلة متمسكة بأنفتها واستقلاليتها الوجودية؛ لأنها لا تستمد شرعيتها من فتات الموازنات الحكومية بل من تماسكها الاجتماعي العفوي الممتد لآلاف السنين وارتباطها العضوي بالأرض والدفاع المستدام عن كرامة أبنائها.
​المنظومة القبلية كمعادل موضوعي وصناعة البديل الوطني
​تثبت الحقائق الاجتماعية والجيوسياسية أن القبائل العراقية الأصيلة هي الأساس المتين والخلاص الأخير لحفظ كيان الدولة؛ فهي كيانات عابرة للمذاهب والجغرافيا والمخططات المصطنعة. وتبرز هنا قبائل طيء العريقة، وإمارة زبيد ببطونها وفروعها الكبرى وقادتها من آل سميرمَد، جنباً إلى جنب مع شمر، وتميم، وخفاجة، والجبور، والدليم، وبني أسد، وبني مالك، لتشكل مجتمعة جسداً واحداً يرفض الاستعباد الداخلي والخارجي. إن هذه القبائل تضم في أفخاذها أبناء المذهبين من السنة والشيعة يجمعهم تلاحم الدم والرحم والنسب الواحد كأبناء لأب واحد؛ مما جعل مضايفهم سداً منيعاً تحطمت عليه مشاريع الفتنة الطائفية والأجندات الإسرائيلية والإقليمية. ومن هنا، ينبثق مشروع رئاسة اتحاد القبائل العراقية ليتجاوز مرحلة الاستشراف نحو صناعة الواقع، مستثمراً ثغرات النظام الحاكم، ومطهراً العُرف من محاولات التسييس، لتعبئة هذه الكتلة الشعبية الحرجة وانتزاع الحقوق السيادية وإعادة العراق قطباً عربياً شامخاً يفرض هيبته على حدوده ومياهه بقرار وطني خالص لا تشوبه تبعية.
​الخاتمة
​إن الخلاصة الفكرية التي تنتهي إليها هذه الدراسة تؤكد أن رهان القوى الدولية على إبقاء العراق في مربع "التحصيل الحاصل" هو رهان مبني على حسابات النخب والأدوات المرتهنة لثنائية النفوذ، وهي حسابات تسقط حتماً عند اصطدامها بالمتن المجتمعي الصلب. لقد أثبت الحوار الاستشرافي المعمق لرئاسة اتحاد القبائل العراقية أن الوعي الوطني غير القابل للتزييف هو السلاح الأمضى في مواجهة الصفقة الكبرى وفخاخ الحروب الدائمة وعروض الاستثناء المدروسة. إن التغيير الحقيقي وإعادة بناء الدولة لن يأتيا عبر إملاءات الخارج، بل ستصنعهما السواعد والعقول الأبية المنضوية تحت خيمة الاتحاد، والتي تصر على نفض غبار الاستعباد السياسي والاقتصادي والأمني، لتستعيد بغداد مكانتها التاريخية كوطن سيد مستقل عصي على التدجين والمصادرة.

 

 

السيادة المسلوبة والبديل الأصيل: تفكيك الصفقات الدولية وموقع القبيلة في ميزان التغيير العراقي

إعداد/ عدنان صگر الخليفه

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا