أخبار عاجلة
news-details
مقالات

الجزائر (8)

ملفينا توفيق ابو مراد /لبنان 
*
الجزائر 
الفينقيون في افريقيا 
حاضرة "إكوزيوم" وامتداد الحواضر التجارية في الساحل والداخل
مقدمة: الجذور الأولى للتواجد الفينيقي
لم يكن الوجود الفينيقي على الأرض الجزائرية وليد مصادفة عابرة، بل جاء نتيجة مراحل تاريخية مدروسة بدأت برحلات استكشافية وتجارية قادها البحارة الفينيقيون نحو سواحل شمال إفريقيا في حدود القرن الثاني عشر قبل الميلاد. ومع مرور الزمن، تطور هذا التواجد من محطات تجارية ساحلية عابرة تعتمد على "التجارة الصامتة" مع السكان الأصليين للمنطقة وهم *الأمازيغ*، إلى استقرار فعلي وتأسيس شبكة واسعة من المراكز والموانئ التجارية الدائمة التابعة لقرطاجة، وتحديداً ما بين القرنين الثامن والسادس قبل الميلاد. ساهم هذا التبادل في دفع عجلة الاقتصاد الإقليمي عبر إدخال تقنيات زراعية وصناعية جديدة، وتأسيس شبكة بحرية ربطت موانئ شمال إفريقيا بأسواق الساحل الفينيقي،  وحوض البحر الأبيض المتوسط.
أولاً: حاضرة "إكوزيوم" (مدينة الجزائر العاصمة)
تعتبر مدينة الجزائر العاصمة اليوم واحدة من أبرز الشواهد على العبقرية الفينيقية في اختيار المواقع الإستراتيجية .
 التأسيس والتسمية: أسس الفينيقيون المدينة كمركز تجاري بحري هام في القرن السادس قبل الميلاد (مع إشارات تاريخية لارتياد الموقع قبل ذلك بكثير). 
أطلقوا عليها اسم "إيكوسيم"
" (Icosium)، وهو مصطلح فينيقي يعني *"جزيرة النوارس"** بسبب كثرة هذه الطيور التي كانت تحط على جزرها الصخرية المحاذية للساحل. (وتشير أساطير أخرى متأخرة إلى اشتقاق يوناني يعني "الجزيرة العشرون")
الامتداد الحالي والأسماء: 
يشغل حي "القصبة" العريق حالياً موقع مدينة "إكوزيوم" التاريخية. ومن مُسمّيات المدينة الحالية التي توارثتها الأجيال: البهجة، المحروسة، والجزائر البيضاء.
ثانياً: شبكة المحطات والمدن الفينيقية على الشريط الساحلي
استقر الفينيقيون على طول الشريط الساحلي الجزائري وأسسوا حواضر ومستوطنات كبرى لا تزال قائمة ومنبضة بالحياة حتى اليوم، ومن أبرزها:
 1. *إكوزيوم:* (مدينة الجزائر العاصمة حالياً).
 2. *هيبون:* (مدينة عنابة الحالية).
 3. *روسيكاد:* (مدينة سكيكدة الحالية).
 4. *إيول:* (مدينة شرشال الحالية - والتي تم التوسع بالبحث فيها في الجزء السابع من هذه السلسلة).
 5. *تيبازة:* المحطة الأثرية الشهيرة والشاهدة على عمق الامتداد القرطاجي والبونيقي.
ثالثاً: التغلغل إلى المناطق الداخلية (نوميديا الشرقية)
لم يقتصر الفكر الفينيقي على الموانئ الساحلية، بل تجاوزه ذكاؤهم الاقتصادي والتحالفي إلى المناطق الداخلية، وإن كان هذا التجاوز قد تركز بشكل أساسي في المناطق الشرقية من الجزائر، حيث حظيت "نوميديا الشرقية" بحمايتهم ورعايتهم، ومن أبرز مدن هذا القسم الداخلي :
 تغاست: (مدينة سوق أهراس الحالية).
مدوروس: (مدينة مداوروش الحالية).
تيفست: (مدينة تبسة الحالية).
رابعاً: أبرز المكتشفات والأركيولوجيا البونيقية في العاصمة
كشفت الحفريات الوقائية والتنقيبات الأثرية في مدينة الجزائر —لا سيما أسفل الطبقات الرومانية والإسلامية في موقع القصبة الأثري— عن شواهد بونيقية وفينيقية بالغة الأهمية، منها :
واجهة المعبد البونيقي (النصب التذكاري): 
عُثر عليه في أرضية نهج القصر القديم، وهو عبارة عن نصيب يحمل رموزاً دينية تشير إلى الآلهة الفينيقية والقرطاجية القديمة .
 الأواني الفخارية:
اكتشاف مجموعة من الجرار والأواني الفخارية البونيقية التي كانت تُستخدم لحفظ العطور وأغراض التجارة المنزلية .
العملات النقدية القديمة:
مسكوكات برونزية وفضية تؤكد استمرار واستقلال النشاط التجاري للمدينة خلال العهدين البونيقي والنوميدي .
خامساً: الميزان التجاري والاقتصادي (الصادرات والواردات)

ارتكزت العلاقة بين الفينيقيين وسكان السواحل الجزائرية على تبادل اقتصادي وثقافي متكافئ
  ما استورده الفينيقيون من الجزائر 
(المواد الخام): ركز التجار الفينيقيون على جلب الموارد الطبيعية الغنية للمنطقة، وفي مقدمتها المعادن كالحديد والنحاس، والمنتجات الزراعية الكبرى كالقمح والزيتون، بالإضافة إلى الجلود، الأخشاب، والمرجان.
 ما جلبه الفينيقيون إلى الجزائر
 (الصناعات الحرفية): أدخل الفينيقيون المنسوجات المصبوغة بالأرجوان الصوري الشهير، الأواني الزجاجية المبتكرة، الفخار الفاخر، والأدوات والمصنوعات المصنوعة من البرونز والحديد، فضلاً عن الحلي والمجوهرات الدقيقة .
إن هذا الإرث الحضاري يؤكد أن الجزائر كانت، وما زالت، حلقة وصل إستراتيجية في قلب البحر الأبيض المتوسط، حيث تمازجت على أرضها عبقرية التجارة الفينيقية مع أصالة وعراقة الشعب الأمازيغي لتؤسس حواضر ترفض النسيان .

2026/5/29

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا